مقدمه عن تواقيع ومكاتبات حضرة شوقي أفندي (وليّ أمر الله)

عندما نعلم أن حضرة شوقي أفندي قد عيّنه حضرة عبدالبهاء في وصيته وليًا لأمر الله من بعده ومفسّرًا ومبيّنًا لآيات الله وتعاليمه، يمكننا أن ندرك مقامه الرفيع "كجوهرة فريدة عصماء" كما تفضل عنه في ألواح وصاياه. فخلال مدة ولايته التي دامت ستًا وثلاثين سنة، فسّر وبيّن ما وجب من الآيات والتعاليم المباركة، وكتب بالفارسية والعربية والإنكليزية موضحًا وناصحًا ومرشدًا. كان أول عمل له منذ بداية ولايته ترجمته إلى الإنكليزية تلك الكتب الرئيسة للدين حتى يتمكن أهل الغرب من فهمها واستيعابها. فكان بحق ذلك الفيض الذي غذّى العقول والأفهام بالكلمة الإلهية النقية، وحافظ عليها من سوء الفهم أو التفسير الخاطئ، وفي الوقت نفسه حافظ بكل عناية على تلك العلاقة التكاملية بين الجوانب المختلفة للتعاليم المباركة، ومدى أهميتها لبعضها البعض.

لقد ترجم إلى الإنكليزية معظم "الكتاب الأقدس،" وكتاب "الإيقان" الذي كان بالنسبة للبهائيين في الغرب المرجع المساعد النفيس في دراستهم للدين الذي اعتنقوه، وأثرى مفاهيمهم عن الظهور الإلهي، وفيه قدّم حضرة بهاءالله شرحًا وافيًا للمقام الذي تتبوأه مظاهر أمر الله وبيان دورهم خاصة على ضوء النبوءات والتعاليم الإسلامية. ثم "الكلمات المكنونة" المنزلة بالعربية والفارسية، والكثير من الألواح المباركة والأدعية والمناجاة، بالإضافة إلى كتاب مطالع الأنوار أهم كتاب يسرد لنا تاريخ الدين البهائي منذ نشأته. من الجدير بالذكر أنه بالرغم من غزارة أعماله الكتابية من الصعب أن ندرك أنه لم يكتب كتابًا خاصًّا به سوى القرن البديع(۱) باللغة الإنكليزية الذي نُشر عام ١٩٤٤، أما كتبه الأخرى فكانت على شكل رسائل مطولة تعالج نواحيَ هامة ومتعددة من حياة الجنس البشري والمستقبل الذي ينتظره. ومنها: قد جاء اليوم الموعود(٢) الذي كُتب عام ١٩٤١ ويقع في (١٣٦) صفحة، وهو عبارة عن رسالة مطوّلة موجّهة للبهائيين في بلاد الغرب، ثم كتاب "نظام بهاءالله العالمي،" وكتاب نظام بهاءالله العالمي – اعتبارات اضافية(۳) قد كُتِبا في عامي ١٩٢٩، ١٩٣٠ على التوالي ليوضّحا للمؤمنين المعنى والهدف الحقيقي لدينهم؛ عقائده، مضامينه، ما قُدّر له ومستقبله.

ثم أَتْبَع ذلك برسالة أخرى عام ١٩٣١ عُرفت بـهدف نظام عالمي جديد،(٤) وجّهت إلى البهائيين في الغرب أيضًا حيث صيغت ببراعة فائقة ونبرة واثقة تسمو بمستواها عن كونها رسالة عادية موجهة إلى شركاء في العمل في ميدان خدمة البشرية، لأن حضرته شعر بأن العالم من المفيد له أن يدرك وجهة نظر الدين البهائي حيال مشاكله الاقتصادية والسياسية التي أخذت تعصف به بلا هوادة، وما هو الهدف الحقيقي لظهور حضرة بهاءالله.

ثم جاءت رسالة أخرى عام ١٩٣٢ بعنوان العصر الذهبي لدين بهاءالله(٥) التي كانت عرضًا بديعاً لـ’ألوهية رسالته‘، وأنها تُغذّي نفسها بنفسها معتمدة على ’فيوضات الينابيع الخفية للقوى السماوية‘، وفيها وضّح علاقة هذا الظهور الإلهي بالظهورات السابقة، وبيّن قدرته على حلّ المشاكل المعاصرة التي تواجه العالم، والقوى المتتابعة التي تسري في أوصال جسم البشرية قاطبة. أما رسالته التي خطّها عام ١٩٣٤ المعروفة بــ دورة بهاءالله(٦) فقد سطعت على البهائيين بنور هذا الدين من بين أنوار الرسالات السماوية التي تعتبر نورًا واحدًا سطع في درجات مختلفة في تاريخ مستمر لدين واحد أبدي إلهي لا يتجزّأ، وأن الدين البهائي يشكّل مرحلة كاملة منه. وفي عام ١٩٣٦ كتب رسالة عنوانها الكشف عن المدنية الإلهية،(٧) حيث كانت عرضًا أكثر اتساعًا وشمولاً لأحوال العالم؛ من انحلال واضح ومتسارع في أوضاعه السياسية والأخلاقية والروحانية، وضعف متزايد في أركان الدين، إلى أخطار تخطّ الخُطى نحوها إنسانية فقدت توازنها، ثم ما تُقدّمه تعاليم حضرة بهاءالله من علاج إلهي قوي مفعم بالأمل. فبالإضافة إلى أهمية تلك الرسائل الرائعة وأبعادها التربوية الروحية، فإنها غنية بما اقتبسه من كلمات حضرة بهاءالله وفقرات من ألواح حضرة عبدالبهاء التي قام بترجمتها. وهناك رسالة عامة كانت الأطول مما سبق وكُتب، وقد رأت النور عام ١٩٣٩ بعنوان ظهور العدل الإلهي، وتكشف أمامنا مع رسالة قد جاء اليوم الموعود جذور فساد عالم اليوم وانحلاله.

إن المرء عندما يحظى بواحدة من رسائله، ولنقل مثلاً قد جاء اليوم الموعود، ويبدأ بقراءتها سيجد نفسه منساقاً وراء هذا الفكر العظيم الذي أخذ بلُبِّهِ فألْهَبَ مشاعره، وسيغيب عن باله أن ما يقرؤه ما هو إلا جزء من عظمة ما كتب، وأنه يكشف له عن جانب من جوانب مشرقة أضاءت أعماله وسمت بسيرة حياته الملأى بالمنجزات التي تستحق التأمل والتفكير.

لقد أسس شوقي أفندي المركز البهائي العالمي في الأرض الأقدس على قواعد متينة، وهو بمثابة القلب النابض والمركز العصبي للأمر الإلهي، وشيَّد أركان النظام الإداري للدين. وبتوجيهاته وعمله الدؤوب شُكِّلت المحافل الروحانية المحلية والمركزية وباقي المؤسسات الدينية في مختلف أنحاء العالم، مؤسسات قال عنها ولي الأمر بأنها تشكّل الأُنموذج الجنيني الذي لا بد أن ينمو ويتطور في العصر الذهبي للدور البهائي إلى رابطة شعوب العالم. هذه المؤسسات الإدارية تعمل في العالم كما تعمل شرايين الجسم وأوردته التي تنقل بشبكتها فيض تعاليم حضرة بهاءالله الحيوية إلى جميع أنحاء العالم. لقد شهد الدين في عهده انتشارًا واسعًا وأصبح له صوت مسموع في الأوساط العالمية وفي هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها، ونال اعترافًا رسميًا به كباقي الأديان السماوية لدى بعض الدول في العالم.

بالتؤدة والصبر والتحمُّل، وبدفء المحبة، والعلاقات الحميمة، كان ولي الأمر يوجه المؤسسات إلى كيفية إدارة شؤون الدين على أسس سليمة، فيعمل بذلك على إنضاج الأعضاء والأفراد على السواء.