تذكرة الوفاء - جناب نبيل قائني

حضرة عبد البهاء
مترجم. اللغة الأصلية الفارسية

جناب نبيل قائن (القائني) – تذكرة الوفاء – آثار حضرة عبدالبهاء

﴿ هو الله ﴾

جناب نبيل قائن (القائني)، هو الملا محمد علي، عليه بهاءالله الأبهى. كان هذا الشخص العظيم من المنجذبين إلى الجمال المبارك من قبل طلوع صبح الهدى أي من قبل ظهور النقطة الأولى، روحي له الفداء، وشرب صهباء العرفان من يد ساقي العناية؛ وتفصيل ذلك هو أن أحد الأمراء، نجل أمير قائن المدعو مير أسدالله خان، كان مقيمًا في طهران بصفة رهينة سياسية وأنيط بالمحافظة عليه وتهذيبه إلى جناب الملا محمد علي (نبيل قائن)، لأن هذا الأمير كان شابًا بعيدًا عن والده العطوف عليه. ولكونه أميرًا غريبًا في طهران، كان الجمال المبارك يبذل كمال العناية في حقه. وكان هذا الأمير ينزل في أغلب الأحايين ضيفًا على الجمال المبارك برفقة جناب ملا محمد علي الملقب بنبيل قائن وذلك قبل ظهور النقطة الأولى (الباب). وكان النبيل المذكور في مقدمة الثقات وسيّدهم وقد انجذب في ذلك الحين إلى الجمال المبارك كل الانجذاب. وكان في كل محفل أو مجلس لسانًا ناطقًا بمحامد الجمال المبارك مُظهرًا كمال محبته وولهه وتعشّقه لحضرته، وكان يروي على حسب العادة القديمة الكرامات العظيمة للجمال المبارك حتى أنه كان يقول أنه رآها بأمّ عينيه وسمعها بأذنه.

وبالاختصار كان شغفه وولهه لا حدّ لهما، محترقًا بنار العشق احترآقا لا يوصف. رجع وهو على هذه الحالة مع الأمير إلى قائن، وما لبث أن التقى بجناب الفاضل الجليل النبيل الأكبر، وهو جناب آقا محمد القائني، روح المخلصين له الفداء، الذي عاد إلى إيران بعد أن نال إجازة الاجتهاد من المرحوم الشيخ مرتضى، واشتعاله بنار محبة الله في بغداد. ولمّا شاهد نبيل قائن، أن النبيل الأكبر قد جمع العلماء ومشاهير المجتهدين وانساب لسانه بالتبليغ في قائن أمام الذين يقرّون بفضله وتمكّنه من مختلف الفنون والعلوم، وبمجرّد سماعه اسم حضرة الأعلى (الباب) انجذب إليه وقال، إنه قد فاز بلقاء الجمال المبارك في طهران وإنه اشتعل بنار محبته لأول وهلة.

وبالإجمال، كان لهذا الشخص المحترم مقام العلوية السماوية، والموهبة الربانية، وانساب من فمه سيل الهداية في قريته وهدى أفراد أسرته رافعًا علم التبليغ وهداية النفوس. وقد ورد على يديه جمّ غفير إلى شريعة محبة الله، وأعطى الناس نصيبهم من الهداية الكبرى. وكان المير علم خان، حاكم قائن، يُظهر له دائمًا كمال المحبة وقد قدّم له خدمات فائقة بكل أمانة واحترام، غير أنه انقلب في نهاية الأمر وقلب ظهر المجن بعد أن تأكد من إيمان نبيل قائن وإيقانه وقام بالإغارة على الأحباء ونهب أمتعتهم وسلب أموالهم لخوفه من ناصر الدين شاه وأخرج جناب النبيل الأكبر وأهان جناب نبيل قائن وآذاه وبعد سلب أمواله وأمتعته وحبسه دفع به إلى الصحراء يتخبط في الوهاد والفيافي والقفار.

أما هذا الشخص النوراني، فقد عدّ ما حاق به من البلايا سرورًا وبهجة واعتبر نهب أمتعته وسلب أمواله كأنه مَلَكَ الدنيا وما فيها (يعني أنه فقد الفاني وتمسّك بالباقي) وعدّ حبسه راحة، ودَفْعه إلى بطن الصحراء بهجة وسرورًا وأعظم موهبة ربانية. ووصل إلى طهران حيث أمضى مدة في حيرة في الظاهر لا مال ولا متاع، ولكنه في الباطن كان في نهاية الروح والريحان. وهذا شأن كل نفس ثبتت على الميثاق. كان يزور محافل الأكابر والأعيان، ولما كان على بيّنة من أحوال الأمراء أخذ في مقابلتهم والتحدث إليهم ويلقي عليهم ما يناسب المقام، وكان يُسلّي الأحباء، وكان كالسيف المسلول في وجه كل من أراد بالجمال المبارك سوءًا. لقد كان حقًا مصداق قوله تعالى في القرآن الشريف: "لا تأخذه في الله لومة لائم". واستمرّ على نشر النفحات وانتشار الآيات البينات بكل ما أوتي من قوة، ثملاً من سلافة خمر محبة الله، زاخرًا كالخضمّ الموّاج، هاطلاً كالسحاب المدرار.

نسج على هذا المنوال إلى أن أتاه الإذن بالحضور إلى السجن الأعظم بعد أن اتّهمه أهل طهران بالجنون وخلع عذار الحياء حيث كان دائمًا قلقًا لا يعرف للصبر مسلكًا ولا للأناة موردًا ولا للمحاباة والمداراة محلاً، لهذا لم يدبّ في روعه خوف ولا هلع مع عظيم الخطر الذي كان فيه. وما أن وصل إلى السجن (عكاء) حتى أخرجه الأعداء من أولي الأمر وذهبت كل مساعيه للبقاء هناك أدراج الرياح، فأجبره الحال إلى الارتحال إلى بلدة الناصرة حيث آقام عدة أيام كالطائر الشريد هو وولداه، آقا غلام حسين وآقا علي أكبر، وقاسوا ما قاسوا دائبين على التضرّع والابتهال إلى العلي المتعال حتى تدبّروا أمر دخوله السجن (عكاء) وصدر له الإذن بالحضور. فما لبث أن هرع إلى السجن باشتياق بالغ، وفاز بشرف اللقاء. وما أن وصل إلى الساحة المقدّسة ووقع بصره على طلعة الجمال الأبهى حتى أخذته رعدة ووقع مغشيًّا عليه وما وعى ونهض إلا بعد أن صدرت العناية المباركة في حقه.

آقام نبيل قائن في القلعة مخفيًا عدة أيام ثم عاد إلى الناصرة التي أخذ أهلها العجب والاندهاش من حالته وعزّة نفسه، فجزموا بأنه شخص جليل من ذوي البيوتات الأعزاء في أوطانهم، ومن الناس عديمي المثال، واستغربوا اختياره الآقامة بالناصرة ورضاءه بالمعيشة الضنكة والتقشّف الذي لا يحتمل.

وبالاختصار، إنه بعد أن تمّ ما وعد به الاسم الأعظم (جمال القدم) فتحت أبواب السجن وأصبح دخول الأحباء والمسافرين إلى داخل القلعة (المعتقل بها الجمال المبارك) والخروج منها متيّسرًا للغاية. أما جناب نبيل قائن فكان يحضر من الناصرة مرّة في الشهر ويفوز بشرف اللقاء. واستمرّت آقامته بالناصرة حسب الأمر المبارك وتمكّن من تبليغ نفر من المسيحيين من سكان الناصرة، وكانت دموعه لا تجف من البكاء على ما نزل بالجمال المبارك من ظلم الظالمين، وكان يدبّر أمر معيشته من الربح القليل الناتج من شركة تجارية بيني وبينه، فقد وضعتُ نصف رأس مال هذه الشركة؛ ثلاثة قرانات (عملة إيرانية تعادل كلها ما يقرب ال‍ 150 مليما)، ووضع هو نفس المبلغ. واشترى برأس المال إبرًا للخياطة وجال بها في الطرقات، فكانت نساء الناصرة يشترين منه الإبر ويعطينه مقابل الثمن بيضًا؛ يعني يعطينه بيضة واحدة عن كل ثلاث إبر، ثم يبيع هو بدوره البيض ويشتري بالربح قوت يومه. وكلما فرغت الإبر، أرسل إلى جناب آقا رضا قناد التاجر في عكاء، ليشتري له إبرًا ويرسلها بواسطة القوافل التي كانت متواصلة الذهاب والإياب بين عكاء والناصرة.

سبحان الله! إن هذا الشخص كان يعيش من ربح رأس المال الزهيد هذا مدة عامين كاملين حامدًا وشاكرًا لله عز وجل. فانظروا كيف كان قنوعًا بدرجة جعلت أهالي الناصرة يعتقدون أنه غير محتاج لأحد وظنّوا أنه من ذوي الثراء ويمارس القناعة والتقشّف خوف نفاد ما لديه من المال وهو في الغربة ويخفي ثروته تحت ستار الاشتغال ببيع الإبر.

كان كلمّا تشرف بالحضور المبارك تَصْدُر في حقه عنايات جديدة، وقد اتّخذه هذا العبد (حضرة عبدالبهاء) مؤنسًا ونديمًا له في الغدوّ والرواح. وكلّما كانت تنهال عليّ الأحزان كنت أستحضره وبمجرد وقوع نظري عليه يتملّكني السرور. كان حلو الحديث لطيف المشرب هشًا بشًا فارغ القلب محررًا من كل قيد وعلى استعداد تام لمساعدة من يريد. وفي النهاية، سكن في السجن الأعظم (عكاء) فتيسّر له التشرّف بلقاء الجمال المبارك كل يوم حتى أنّه بينما هو سائر مع بعض الأحباء إذ التقى بالتُّرَبيّ المدعو الحاج أحمد وقال له: "اصحبني" فمشى وتبعه التُّرَبِي ومرافقوه إلى جبّانة النبي صالح (خارج عكاء) فالتفت إلى التُّرَبيّ بوجه مبتسم وهو في كمال الصحة والعافية وقال: "يا حاج أحمد، أريد منك شيئًا واحدًا وهو، حيث أنني سأنتقل من هذا العالم إلى العالم الآخر، أرجوك أن تجعل قبري في هذه النقطة (مشيرًا إلى جوار القبر الذي دفن فيه حضرة الغصن الأطهر) وهذا كل ما أريده منك"، ثم ناول التربي بعض الدراهم وانصرف. وما غربت شمس ذلك اليوم حتى أخبرني بعض الأحباء: إن نبيل قائن مريض. فذهب هذا العبد توًا إلى داره فوجدته جالسًا يتحدث مبتهجًا مسرورًا يقرأ ويمازح غير أن جبينه كان يتفصد عرقًا بشدة متناهية، ولم تظهر عليه علامات التوعّك بالمرة. وما زال العرق يتفصد من جبينه حتى خارت قواه فاستلقى على الفراش حتى تنفّس الصبح ففاضت روحه الزكية إلى حيث تُعطَى الثواب، ولما وصل خبر وفاته إلى المحضر المبارك أظهر في حقه عنايات لا تحصى وقد أَنزل باسم هذا الشخص في أيام حياته ألواحًا شتّى. وكثيرًا ما ذكر الجمال المبارك اسم نبيل قائن بعد وفاته عند كل مناسبة وكان حضرته يذكر إيمانه وإيقانه وانجذابه بمعنى أن هذا الشخص كان منجذبًا بنفحات الله قبل ظهور حضرة الأعلى، روحي له الفداء. طوبى له وحسن مآب! بشرى له من هذه الموهبة الكبرى! ويختص الله بفضله من يشاء.

المصادر
المحتوى
OV