تذكرة الوفاء - جناب منيب

حضرة عبد البهاء
مترجم. اللغة الأصلية الفارسية

جناب منيب – تذكرة الوفاء – آثار حضرة عبدالبهاء

كان اسم هذه الروح المجسمة الميرزا آقا من أهالي كاشان. انجذب بالنفحات في أيام حضرة الأعلى (الباب) واشتعل بنار محبة الله. كان في أيام شبابه في نهاية العظمة والأبهة بادي الملاحة صبيح المحّيا وفي إتقان علم الخط لا يضارع، حسن الطباع شجي الألحان فهيمًا موهوبًا ثابتًا في الأمر مستقيمًا في معتقده وكان شعلة من نار المحبة منقطعًا عما سوى الله. وقد بارح مدينة كاشان إلى العراق حيث كان يشرفّها بوجوده الجمال المبارك وحظى بالتشرف بالساحة المقدّسة واتّخذ في الجوار منزلاً وضيعًا وعاش عيشة ضنكًا إذ كان في حالة إعسار شديدة ثم اشتغل بتحرير الآيات والبيانات الإلهية وكان يلوح على جبينه نور الموهبة المبين واضحًا ملموسًا واشتغل بخدمة أمر الله بينما ترك ابنته الوحيدة في إيران قبل وروده إلى دار السلام – بغداد.

وعندما تحرك موكب جمال القدم بكمال العزة والعظمة من بغداد قاصدًا إسلامبول سار جناب منيب بجوار الركب المبارك راجلاً مع أنه عاش في إيران طوال مدة آقامته بها حياة ملؤها الرفاهية والهناء، وذلك معلوم للعموم، وكان لدى أهل بلاده معروفًا بالدلال والحرية ومن كل ذلك يُعلم مقدار ما عاناه من المشاق أثناء سفره راجلاً بجسمه الرقيق من بغداد إلى إسلامبول ومقدار ما لقيه من وعثاء الطريق ولكنه كان يطوي البيداء بنهاية الروح والريحان مشتغلاً ليل نهار بالتضرع والابتهال وتلاوة الأنجية. وكان هذا العبد (عبدالبهاء) مؤنس قلبه وروحه إذ كنا نسير الواحد منا على اليمين والآخر على اليسار بمحاذاة الركب المبارك أثناء الطريق وكنت أنا وإياه في حالة روحانية يكل عنها الوصف أما هو فكان أثناء الليل مترنم ببعض الأشعار الغزلية من نظم حافظ الشيرازي وكان يقول قبل تغنيه بها: دعونا نرقص ونثمل من خمر المعاني ونتغزل بما قاله الشيرازي. ثم أخذ ينشِد بما معناه:

ولو أنّا للسلطان عبيد ركّع فنحن سلاطين الملك عليه الصبح يطلع

فينا حقيقة الألوان لا تزويرها أسود حمر نحن وفينا التنين الأسود

وبالإجمال، إن الجمال المبارك، روحي لأحبائه الفداء، أذن لجناب منيب بالعودة إلى إيران في نفس الوقت الذي تحرك فيه الموكب المبارك من إسلامبول إلى أرض السر (أدرنه) وأمره بالاشتغال بالتبليغ. فصدع جناب منيب بالأمر المبارك وذهب إلى إيران حيث قام بخدمات فائقة على الأخص في مدينة طهران ثم عاد بعد مدة إلى أرض السر وتشرف بالساحة المقدّسة ومكث مدة فائزًا بشرف اللقاء، وعندما وقعت البلية الكبرى يعني حادثة النفي إلى عكاء سار راجلاً بمحاذاة الركب المبارك مع ضعف بنيته وشدة مرضه وعدم قدرته على السفر راجلاً فاشتد عليه المرض غير أنه كان راضيًا كل الرضاء ولم يقبل البقاء في أدرنه ليعالج وكان يود أن يموت تحت قدمي الجمال المبارك. وما أن وصلنا إلى البحر حتى خارت قواه فحمله ثلاثة أنفار وصعدوا به إلى أعلى السفينة التي سارت بنا نحو إزمير، وأراد الربان إنزاله من السفينة لأنه كان يعاني من شدة المرض وقد أصرّ ربان السفينة على إخراجه، يعني طرحه في اليم، وبعد أخذ ورد صبر القبطان حتى رست السفينة بميناء إزمير وهنا قال الربان للمسؤول الحكومي، الميرالآي عمر بك، إن لم يبارح جناب منيب السفينة فسوف يضطر إلى إخراجه بالقوة لأن السفينة لا تستقبل المرضى بهذا الشكل قانونًا.

ولذا أجبرنا على حمله إلى المستشفى بإزمير وهو في حالة يرثى لها غير قادر حتى على الكلام، وقبل المسير به إلى المستشفى وقع على قدمي الجمال المبارك وبكى بكاءً مُرًا فلاح الحزن على طلعة المبارك من جراء ذلك. وصلنا به إلى المستشفى وعدنا مسرعين إلى السفينة لأن الربان لم يأذن لها بالانتظار أكثر من ساعة واحدة. وكنا قد وجدنا لذلك الوجود المبارك سريرًا خاصًا فوسدناه إياه وقبلناه من رأسه إلى قدميه قبل مبارحتنا المستشفى وعدنا أدراجنا إلى السفينة لأن الحراس لم يمنحونا وقتًا بالمرة، ولم نعلم بعد ذلك عنه شيئًا.

إننا كلما تذكرناه وما انتابه فاضت عيوننا بالدموع وزادت قلوبنا حرقة تحسرًا عليه. كان ذلك الوجود ذا فطنة فائقة ورزانة مثالية لا يضارعه أحد في قوة إيمانه وإيقانه وقد اجتمعت فيه أنواع الكمالات المعنوية والصورية ولهذا كان مورد الألطاف التي لا حد لها.

أما قبره المنور، ففي إزمير ولكنه مهجور، وإذا سنحت الفرص للأحباء فليبحثوا عن ذلك القبر المهجور ويجعلوه بيتًا معمورًا حتى تتعطر مشام زائري ذلك القبر برائحته الطيبة.

المصادر
المحتوى
OV