separator

الواح الخطة الالهية، المجموعة الاولى (اللوح الثامن) – من آثار حضرة عبدالبهاء

وقد صدر في صباح الأربعاء التّاسع عشر من نيسان سنة ۱۹۱٦ في غرفة الهيكل المبارك وصباح الخميس العشرين من نيسان في مسافرخانه وصباح السّبت الثاني والعشرين في البهجة في حديقة الرّوضة المباركة بالعنوان التالي:

﴿ هو الله ﴾

يا حواريّي بهاء الله! روحي لكم الفداء!

إن حضرة الموعود قد عبّر عنه في الكتاب المقدّس بربّ الجنود أي الجنود السّماويّة، والمقصود بالجنود السّماويّة هم نفوس انسلخت كلّيًّا من عالم الطّبيعة البشريّة وانقلبت إلى ملائكة سماويّة ونفوس ملكوتيّة، فهذه النّفوس هي أشعّة شمس الحقيقة التي تنير الآفاق وفي يد كلّ واحد منهم صور ينفخ الرّوح في الآفاق، وقد نجوا من الصّفات البشريّة وعالم الطّبيعة المادّيّ متخلّقين بالأخلاق الإلهيّة ومنجذبين بالنّفحات الرّحمانيّة كالحواريّين الذين امتلأوا من السّيّد المسيح، هؤلاء النّفوس أيضًا يمتلئون من حضرة بهاء الله أي أنّ محبّة حضرة بهاء الله تتملّك أعضاءهم وأجزاءهم وأركانهم بحيث لا يبقى تأثير للعالم البشري عليها. إنّ هذه النّفوس جنود إلهيّة تفتح الشّرق والغرب، وإذا ما توجّه أحدهم إلى قطر من الأقطار ودعا النّاس إلى ملكوت الله ساندته جميع القوى المعنويّة والتّأييدات الرّبّانيّة وكانت ظهيرًا له ووجد الأبواب مفتوحة ورأى القلاع والحصون مهدّمة، ويهاجم وحده جيوش العالم ويهزم جنود العالم من اليمين واليسار ويقتحم صفوف الأمم ويتغلغل إلى قلب القوى الأرضيّة، هؤلاء هم جند الله. إنّ كلّ واحد من أحباء بهاء الله يبلغ هذا المقام يكون منزلة حواري بهاء الله، إذن فاجهدوا بقلوبكم وأرواحكم حتّى تبلغوا هذا المقام الأسمى الأعلى، وتجلسوا على سرير السّلطنة الأبديّة وتضعوا على رؤوسكم الإكليل الملكوتيّ الجليل الذي تسطع جواهره الزّواهر على ممرّ القرون والأعصار.

أيّها الأحبّاء الأودّاء! ارفعوا هممكم وابلغوا في طيرانكم أوج السّماء حتّى تزداد نورانيّة قلوبكم المباركة يومًا فيومًا من أنوار شمس الحقيقة وأعني حضرة بهاء الله، وتحيا أرواحكم في كلّ لحظة حياة جديدة وتزول عنكم ظلمات عالم الطّبيعة زوالاً كلّيًّا، فتصبحوا نورًا مجسّمًا وروحًا مصوّرًا منقطعين عن شؤون هذه الدّنيا ومتّصلين بشؤون العالم الإلهيّ. لاحظوا أيّة أبواب فتحها لكم حضرة بهاء الله، وأيّ مقام رفيع أعلى قدره لكم، وأيّة موهبة يسّرها لكم، وإذا ما ثملنا من هذه الكأس بدت لنا سلطنة هذا العالم التّرابيّ أحطّ من ملعبة الصّبيان، وإذا وضع في أحد الميادين تاج حكم هذا العالم وطلب من كلّ واحد منّا قبوله فلا شكّ في أنّنا لن نتنازل ولن نقبله. إنّ البلوغ إلى هذا المقام الأعلى منوط بشروط:

الشّرط الأوّل: الثبوت على ميثاق الله لأن قوّة الميثاق تحفظ أمر بهاء الله من شبهات أهل الضّلال، وهي حصن أمر الله الحصين وركن دين الله المتين، وليس هناك اليوم من قوة لتحفظ وحدة العالم البهائيّ غير قوّة الميثاق الإلهيّ وبغيرها يحيط الاختلاف بالعالم البهائيّ إحاطة الطّوفان الرّهيب.

ومن البديهيّ أنّ محور وحدة العالم الإنسانيّ هو قوّة الميثاق لا غير. ولو لم يوضع هذا الميثاق ولم يدوّن بالقلم الأعلى ولم ينوّر كتاب العهد العالم كلّة كما نوّرته أنوار شمس الحقيقة لاضطرب أمر الله اضطرابًا كلّيًّا، ولضربت النّفوس التي أسرتها الأهواء بمعاولها على جذور هذه الشّجرة المباركة، فسوّلت كلّ نفس هواها وذهب كلّ شخص مذهبًا، ومع وجود هذا الميثاق العظيم جال في الميدان عدد من البلهاء راجين أن يحدثوا في أمر الله ثغرة، ولكنهم جميعًا ولله الحمد خابوا وخسروا وسوف يرون أنفسهم في يأس شديد.

إذن يجب على كلّ فرد قبل كلّ شيء أن يرسخ قدمه في الميثاق حتّى تحيط به تاييدات بهاء الله من جميع الجهات وتكون جنود الملأ الأعلى معينة وظهيرة له، وتنفذ نصائح عبد البهاء ووصاياه في القلوب كالنّقش في الحجر.

الشّرط الثّاني: الألفة والمحبّة بين الأحبّاء إذ يجب أن يفتن أحبّاء الله ببعضهم حبًّا وينجذب بعضهم إلى بعض ودًّا ويضحّي بعضهم في سبيل البعض الآخر، وإذا ما التقى أحدهم بالآخر فكأنّه العطشان بلغ معين الحياة أو العاشق لقي معشوقه الحقيقيّ، لأن من أعظم الحكم الإلهيّة في ظهور المظاهر المقدّسة الرّبّانيّة هي أن تأنس النّفوس إلى بعضها فتجعلهم قوّة محبّة الله أمواجًا في بحر واحد وأزهارًا في حديقة واحدة ونجومًا في سماء واحدة، هذه هي حكمة ظهور المظاهر المقدّسة. فإذا تجلّت هذه الموهبة العظمى في قلوب الأحبّاء تبدّلت عوالم الطّبيعة البشريّة وزالت ظلمات الإمكان وتيسّرت نورانيّة السّماء حينئذ يصبح العالم بأجمعه جنّة الأبهى ويصير كلّ واحد من أحبّاء الله شجرة مباركة تحمل أبدع الثّمار.

فيا أحبّاء الله البدار إلى الألفة وإلى المحبّة وإلى الاتّحاد حتّى تظهر قوّة الأمر البهائي وتتجلّى في عالم الوجود. إنّ قلبي الآن مشغول بذكركم في منتهى الهيجان، ولو عرفتم مبلغ انجذابي نحو الأحبّاء لبلغ بكم السّرور والحبور درجة تولّه فيها بعضكم بعضًا.

الشّرط الثّالث: هو أن ترسلوا المبلّغين إلى أنحاء قطركم بل إلى أنحاء العالم، ولكن يجب أن يكونوا في أسفارهم على غرار عبد البهاء في سفره إلى بلاد أمريكا، مطهّرين عن كلّ لوث ومقدّسين وفي منتهى الانقطاع ومصداقًا لقول السّيّد المسيح: إذا دخلتم مدينة فانفضوا حتّى غبارها عن نعالكم لاحظتم أنّ كثيرًا من النّفوس في أمريكا أرادت أن تقدّم الهدايا بكلّ توسّل وإلحاح، ولكنّ هذا العبد نظرًا لوصايا الجمال المبارك ونصائحه لم يقبل شيئًا أبدًا، مع أنّه كان في بعض الأحيان في عسر شديد. أمّا لو قدّم إنسان إعانة عن طيب خاطره وحسن سريرته ولله وفي الله فليقبل المبلّغ مقدارًا قليلاً منها من أجل ابتهاج خاطره ويعيش عيشة تقشّف، والقصد هو أن تكون نيّة المبلّغ خالصة وأن يكون فارغ القلب، غنيّ النّفس، منجذب الرّوح، مستريح الفكر، شديد العزم، عالي الهمّة، وأن يكون في محبة الله شعلة متوهّجة، فإذا كان على ذلك أثّرت أنفاسه الطّاهرة في الصّخرة الصّمّاء، وبعكس ذلك لن تحصل منه أيّة ثمرة، فإن لم يكن الإنسان كاملاً في نفسه كيف يستطيع إزالة نقائص الآخرين؟ وإذا لم يمكن منقطعًا في نفسه كيف يستطيع تعليم الانقطاع للآخرين؟

فيا أحبّاء الله ابذلوا جهودكم في ترويج دين الله ونشر التّعاليم الإلهيّة بكلّ الوسائل الممكنة ومنها تأسيس مجالس للتّبليغ تجتمع فيها النّفوس المباركة ويقوم قدماء الأحبّاء على جمع الشّبّان اليافعين النّاشئين بمحبّة الله في مدارس التّبليغ، فيعلّمونهم البراهين الإلهيّة والحجج والأدلّة ويشرحون لهم تاريخ الأمر المبارك ويفسّرون لهم جميع الأدلّة الواردة في الكتب والصّحف الإلهيّة السّالفة حول ظهور الموعود، حتّى يتضلّع الشّبّان في جميع هذه الأمور، ومنها تأسيس دار لترجمة الألواح في أيّ وقت تيسّر ذلك، فتباشر النّفوس الفاضلة المتضلّعة في اللّغات الفارسيّة والعربيّة والأجنبيّة أو في لغة أجنبيّة واحدة ترجمة الألواح وكتب الاستدلال وتطبعها وتنشرها في قارّات المعمورة الخمس. ومنها تنظيم تحرير مجلّة "نجمة الغرب" بحيث تكون محتوياتها سببًا في ترويج أمر الله فيطّلع النّاس في الشّرق والغرب على المهمّ من الوقائع والأحداث، ويجب أن لا تخرج الأحاديث في المجامع العامّة والخاصّة عن نطاق أمر الله بل تنحصر جميع المقالات في أمر الله ولا تجري فيها أحاديث متفرّقة ولا يجوز الجدال بأيّ وجه من الوجوه.

يجب على المبلّغين الذين يسافرون إلى الأطراف أن يعرفوا لغة البلد الذي يدخلونه فمثلاً يسافر إلى اليابان من يتقن اللّغة اليابانيّة، أمّا من يتقن اللّغة الصّينيّة فليسافر إلى الصّين وهكذا دواليك.

سوف يكون بعد هذه الحرب العامّة لدى النّاس استعداد عظيم للإصغاء إلى التّعاليم الإلهيّة، لأنّ الحكمة الإلهيّة من هذه الحرب هي أن يعرف النّاس جميعًا أنّ نار الحرب محرقة للمعمورة وأنّ أنوار السّلام العام تنير العالمين، وأنّ هذه هي ممات وذلك هو حياة، هذه فناء وذاك بقاء، هذه نقمة كبرى وذاك نعمة عظمى، هذه ظلمات وذاك أنوار، هذه ذلّة أبديّة وذاك عزّة سرمديّة، هذه هادمة لبنيان الشر وذاك مؤسّس لسعادة الإنسان. بناء على ذلك لو نهضت نفوس جليلة بالشّروط المذكورة وتوجّهت إلى أطراف العالم وخاصّة من أمريكا إلى أوروبّا وأفريقيا وآسيا وأستراليا واليابان والصّين، وسافر مبلّغون وأحبّاء من الألمان إلى أقطار أمريكا وأفريقيا واليابان والصّين وبكلمة أخرى إلى أقطار العالم وجزره كلّها لحصلت من أسفارهم نتائج عظيمة خلال أمد قصير، ولرفرفت راية السّلام العام وأنارت أنوار وحدة العالم الإنساني كلّ الآفاق.

يا أحبّاء الله إنّ نصّ الكتاب الإلهيّ صريح في: إنّ شخصين لو تجادلا في مسألة من المسائل الإلهيّة واختلفا فيها وتنازعا حولها كان كلاهما على الباطل، وإنّ الحكمة الإلهيّة من هذا الأمر الباتّ هي منع حدوث الجدال والنّزال بين اثنين من أحبّاء الله، بل عليهما أن يتحدّثا بمنتهى الألفة والمحبّة، وإذا ما حدثت بينهما أدنى معارضة واختلاف فليسكتا ولا يتكلّما حول الموضوع أبدًا بل يسألا المبيّن عن حقيقة الموضوع، هذا هو القول الفصل وعليكم وعليهنّ البهاء الأبهى.

مناجاة

إلهي إلهي تَری قَدِ اشْتَدَّ الظَّلامُ الحالكُ عَلی كُلِّ المَمالِكِ، وَاحتَرَقتِ الآفاقُ مِنْ نائِرةِ النِّفاقِ، وَاشتَعَلَتْ نِيْرانُ الجِدالِ وَالقِتالِ في مَشارِقِ الأَرضِ وَمَغاربِها، فَالْدِّماءُ مَسْفوكَةٌ وَالأَجسادُ مَطروحَةٌ وَالرُّؤُوسُ مَذْبُوحَةٌ عَلَی التُّرابِ فِي مَيدانِ الجِدالِ، رَبِّ رَبِّ ارْحَمْ هؤلاءِ الجُهَلاءِ، وَانْظُرْ إِلَيْهِمْ بِعَين الْعَفْوِ وَالْغُفرانِ وَأطْفِئ هذِهِ النِّيرانَ حَتَّی تَنْقَشِعَ هذِهِ الْغُيُومُ الْمُتَكاثِفَةُ فِي الآفاقِ، حَتَّی تُشرِقَ شَمْسُ الحَقِيْقَةِ بِأَنوارِ الوِفاقِ، ويَنكَشِفَ هذا الظَّلامُ وَيَسْتَضِيْءَ كُلُّ المَمالِكِ بِأَنوارِ السَّلام، رَبِّ أَنْقِذْهُمْ مِن غَمَراتِ بَحْرِ البَغضاءِ، وَنَجِّهِمْ مِن هذِهِ الظُّلُماتِ الْدَّهْماءِ، وَأَلِّف بَينَ قُلوبِهِمْ وَنَوِّرْ أَبْصارَهُمْ بِنُورِ الصُّلْحِ وَالسَّلام، رَبِّ نَجِّهِمْ مِنْ غَمراتِ الْحَرْبِ وَالْقِتالِ وَأَنْقِذْهُمْ مِن ظَلامِ الضَّلالِ وَاكْشِفْ عَن بَصائِرِهِمْ الغِشاءَ، ونَوِّرْ قُلوُبَهُمْ بِنُورِ الهُدی وَعامِلْهُمْ بِفَضْلِكَ وَرَحمَتِكَ الْكُبْری، وَلا تُعامِلْهُمْ بِعَدْلِكَ وَغَضَبِكَ الَّذِيْ يَرتَعِدُ مِنْهُ فَرائِصُ الْأَقْوِياءِ، رَبِّ قد طالَتِ الْحُرُوبُ وَاشْتَدَّتِ الكُرُوبُ وتَبَدَّلَ كُلُّ مَعمورٍ بِمَطمُورٍ، رَبِّ قَد ضاقَتِ الْصُّدُورُ وتَغَرْغَرَتِ النُّفُوسُ، فَارْحَمْ هؤلاءِ الْفُقَراءَ ولا تَتْرُكْهُمْ يُفَرِّطُ فِيْهِمْ مَنْ يَشاءُ بِما يشاءُ، رَبِّ ابْعَثْ في بِلادِكَ نُفُوسًا خاضِعَةً خاشِعَةً مُنَوَّرَةَ الوُجُوهِ بِأَنوارِ الْهُدی مُنْقَطِعَةً عَنِ الْدُّنْيا ناطِقَةً بِالْذِّكْرِ وَالثَّناءِ ناشِرَةً لِنَفَحاتِ قُدْسِكَ بَيْنَ الوَری، رَبِّ اشْدُدْ ظُهورَهُم وَقَوِّ أُزُورَهُمْ وَاشْرَحْ صُدُورَهُم بِآياتِ مَحَبَّتِكَ الكُبری، رَبِّ إِنَّهُمْ ضُعَفاءٌ وَأَنتَ القَوِيُّ الْقَدِيرُ، وَإِنَّهُمْ عُجَزاءٌ وَأَنتَ المُعِيْنُ الْكَرِيْمُ، رَبِّ قَدْ تَمَوَّجَ بَحْرُ العِصْيانِ وَلا تَسْكُنُ هذِهِ الزَّوابِعُ إِلاّ بِرَحْمَتِكَ الْواسِعَةِ فِي كُلِّ الْاَرْجاءِ، رَبِّ إِنَّ النُّفُوسَ فِي هِاوِيَةِ الهَوی فلا يُنْقِذُها إِلاّ أَلْطافُكَ الْعُظْمی، رَبِّ أَزِلْ ظُلُماتِ هذِهِ الْشَّهَواتِ وَنَوِّرِ الْقُلُوبَ بِسِراجِ مَحَبَّتِكَ الّذي سَيُضِيءُ مِنهُ كُلُّ الْأَرْجاءِ، وَوَفِّقِ الْأَحِبّاءَ الَّذِيْنَ تَرَكُوا الْأَوْطانَ وَالْأَهْلَ وَالْوِلْدانَ وَسافَروا إِلِی الْبُلْدانِ حُبًّا بِجَمالِكَ وَانْتِشارًا لِنَفَحاتِكَ وَبَثًّا لِتَعاليمِكَ، وَكُنْ أَنِيْسَهُمْ فِي وَحْدَتِهِمْ وَمُعِيْنَهُمْ فِي غُرْبَتِهِمْ وَكاشِفًا لِكُرْبَتِهِمْ وَسَلْوَةً في مُصِيْبَتِهِمْ وَراحَةً في مَشَقَّتِهِمْ ورَواءً لِغُلَّتِهِمْ وَشِفاءً لِعِلَّتِهِمْ وَبَرْدًا لِلَوْعَتِهِمْ، إِنَّكَ اَنْتَ الْكَريْمُ ذُو الفَضْلِ العَظيمِ، وَإِنَّكَ أَنْتَ الْرَّحْمنُ الْرَّحِيْمُ . ع ع

OV