separator

الواح الخطة الالهية، المجموعة الثانية (اللوح الرابع) – من آثار حضرة عبدالبهاء

وقد صدر في ليلة الخميس الخامس عشر من شباط سنة ۱۹۱۷ في غرفة الجمال المبارك بالعنوان التّالي:

إلى أحبّاء الله وإماء الرّحمن في إحدى عشرة ولاية غربيّة من الولايات المتّحدة: نيومكسيكو، كولورادو، أريزونا، نيفادا، كاليفورنيا، وايومنغ، يوتا، مونتانا، أيداهو، أوريغون، واشنطن عليهم وعليهنّ التّحيّة والثّناء.

﴿ هو الله ﴾

يا أحبّاء الله وإماء الرّحمن المختارين في الملكوت:

إنّ ولاية كاليفورنيا المباركة على شبه كبير بالأرض المقدّسة أي قطر فلسطين، فهواؤها في منتهى الاعتدال وسهولها في منتهى الاتّساع، وفواكه فلسطين في تلك الولاية في منتهى النّضارة، وحين مرّ عبد البهاء بتلك الجهات رأى نفسه وكأنّه في فلسطين لأنّ الشّبه بين هذين الإقليمين تامّ من جميع الجهات، حتّى أنّ سواحل المحيط الهادي كلّها متشابهة لسواحل الأرض المقدّسة، وحتى أنّ أعشاب الأرض المقدّسة قد نبتت في تلك السّواحل ممّا أثار دهشة كبيرة، وكذلك تشاهد في ولاية كاليفورنيا وسائر الولايات الغربيّة آثار من عجائب عالم الطّبيعة تحيّر العقول، فالجبال شاهقة جدًّا والوديان سحيقة جدًّا، والشّلالات فيها بمنتهى الجلال، والأشجار بمنتهى الفخامة والتّربة بمنتهى الخصب والبركة، وحيث أنّ ذلك القطر المبارك يشبه الأرض المقدّسة، وأنّ أرضه كالجنّة العليا وكأنّها أرض فلسطين، ولمّا كان الشّبه بين القطرين طبيعيًّا لذا يجب أن يتشابها مشابهة ملكوتيّة أيضًا. إنّ أنوار الفيوضات الإلهيّة قد ظهرت من فلسطين، وإنّ أكثر أنبياء بني إسرائيل نادوا بملكوت الله من هذه البقعة المقدّسة، ومنها نشروا التّعاليم الرّوحانيّة وتعطّرت مشام الرّوحانيّين وتنوّرت عيون النّورانيّين، وتشنّفت آذانهم ووجدت قلوبهم الحياة الأبديّة من نسيم ملكوت الله المحيي للأرواح، واقتبست من أشعّة شمس الحقيقة النّورانيّة الرّبّانيّة، ثم سرت من هذه البقعة إلى جميع أوروبّا وأمريكا وآسيا وأفريقيا وأستراليا.

فالآن يجب كذلك أن تتشابه كاليفورنيا وسائر الولايات الغربيّة بالأرض المقدّسة تشابهًا معنويًّا، وتنتشر من تلك البقاع والدّيار نفثات روح القدس إلى جميع أمريكا وأوروبا، ويطرب نداء ملكوت الله جميع الآذان، وتمنح التّعاليم الإلهيّة حياة جديدة وتغدو الأحزاب المختلفة حزبًا واحدًا، وتستقرّ الأفكار المتعدّدة في مركز واحد، ويتعانق شرق أمريكا مع غربها وتمنح أنشودة وحدة العالم الإنساني جميع البشر حياة جديدة، وترتفع خيمة السّلام العام في قلب أمريكا حتّى تنتعش كذلك أوروبّا وأفريقيا بنفثات روح القدس، وتضحي الهيئة الاجتماعيّة البشريّة في نشأة جديدة، ويصبح العالم عالمًا آخر. وكما تتجلّى في ولاية كاليفورنيا وسائر الولايات الغربيّة الآثار العجيبة لعالم الطّبيعة كذلك يجب أن تتجلّى فيها آثار ملكوت الله العظيمة حتّى يطابق الجسد والرّوح ويصبح الظّاهر عنوان الباطن ويصبح الملك مرآة الملكوت.

وفي أيّام سفري وتجوالي في تلك الجهات شاهدت فيها مناظر خلابة وحدائق عامّة وبساتين غنّاء وأنهارًا دافقة ومجامع عامّة وشاهدت الرّياض والمزارع والثّمار والفواكه والسّهول الفسيحة الواسعة، وكان لها وقع حسن في نفسي ولا تزال الذّكريات عالقة في خاطري حتّى الآن، وقد سررت بصورة خاصّة بمحافل سان فرنسيسكو وأوكلاند ومجالس لوس أنجلوس وبالأحبّاء الّذين وفدوا إليها من مدن أخرى ولا تمرّ بخاطري ذكراهم إلا وينتابني فرح ليس له حدود.

أتمنّى أن تنتشر التّعاليم الإلهيّة في جميع تلك الولايات الغربيّة انتشار أشعّة الشّمس، فيتجلّى مصداق الآية الفرقانيّة المباركة بلدة طيّبة وربّ غفور والآية المباركة أوَ لم يسيروا في الأرض والآية الكريمة: فانظروا إلى آثار رحمة الله.

إنّ الميدان ولله الحمد واسع في هذه الولاية بعونه وعنايته، وإنّ العقول في منتهى السّموّ وإنّ العلوم والمعارف في منتهى الانتشار، وإنّ القلوب أشبه بالمرايا وفي منتهى الصّفاء والاستعداد، وإنّ أحبّاء الله في منتهى الانجذاب، لهذا فأملي أن تنعقد فيها محافل التّبليغ مرتّبة منتظمة، ويرسل منها مبلّغون كاملون إلى المدن وحتى إلى القرى لنشر نفحات الله، يجب أن يكون المبلّغون نفوسًا ملكوتيّين، ربّانيّين، رحمانيّين، نورانيّين، ويكونوا روحًا مجسّمًا وعقلاً مصوّرًا وينهضوا بمنتهى الثّبوت والاستقامة والتّضحية، ولا يتقيّدوا في أسفارهم بقيود الزّاد واللّباس بل يحصروا الأفكار في فيوضات ملكوت الله، ويلتمسوا تأييدات روح القدس ويعطّروا المشام بعطر الجنّة الأبهى بقوّة إلهيّة وانجذاب وجدانيّ وبشارة ربّانيّة وتنزيه وتقديس سبحانيّ، ويتلوا هذه المناجاة يوميًّا:

إلهي إلهي هذا طيرٌ كليل الجناح بطيْءُ الطّيران أيِّدهُ بشديد القوی، حتّی يطيرَ إلی أوجِ الفلاح والنّجاحِ ويُرفرِفَ بكلِّ سرورٍ وانشراحٍ في هذا الفَضاءِ، ويرتفعَ هديرُهُ في كلِّ الأرجاءِ باسمك الأعلی، وتَتَلذَّذَ الآذانُ من هذا النّداءِ وتقرَّ الأعينُ بمشاهدة آياتِ الهدی، ربِّ إنّي فريدٌ وحيدٌ حقيرٌ ليسَ لي ظهيرٌ إلا أنتَ، ولا نصيرٌ إلّا أنت، ولا مجيرٌ إلّا أنت، وَفِّقْني علی خدمتِكَ وأيّدني بجنود ملائكتِكَ، وَانْصُرْني في إعلاء كلمتك وأَنْطِقْني بحكمتِكَ بين بَرِيَّتِكَ، إنّك مُعين الضُّعفاء ونصير الصُّغراء، وإنّكَ أنتَ المقتدرُ العزيز المختار. ع ع

OV