separator

مناجاة (٨٥) – من آثار حضرة بهاءالله – مناجاة، ١٣٨ بديع، رقم ٨٥، الصفحة ٩٨

يا إِلهِي هذِهِ أَيَّامٌ فِيها فَرَضْتَ الصِّيامَ عَلَى عِبادِكَ، وَبِهِ طَرَّزْتَ دِيباجَ كِتابِ أَوامِرِكَ بَيْنَ بَرِيَّتِكَ، وَزَيَّنْتَ صَحائِفَ أَحْكَامِكَ لِمَنْ فِي أَرْضِكَ وَسَمائِكَ، وَاخْتَصَصْتَ كُلَّ ساعَةٍ مِنْها بِفَضِيلَةٍ لَمْ يُحِطْ بِها إِلاَّ عِلْمُكَ الَّذِيْ أَحَاطَ الأَشْيآءَ كُلَّها، وَقَدَّرْتَ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنْها نَصِيبًا فِي لَوْحِ قَضائِكَ وَزُبُرِ تَقْدِيرِكَ، وَاخْتَصَصْتَ كُلَّ وَرَقَةٍ مِنْها بِحِزْبٍ مِنَ الأَحْزابِ، وَقَدَّرْتَ لِلْعُشَّاقِ كَأْسَ ذِكْرِكَ فِي الأَسْحارِ يا رَبَّ الأَرْبابِ، أْولئِكَ عِبادٌ أَخَذَهُمْ سُكْرُ خَمْرِ مَعارِفِكَ عَلَى شَأْنٍ يَهْرُبُونَ مِنَ المَضاجِعِ شَوْقًا لِذِكْرِكَ وَثَنائِكَ وَيَفِرُّونَ مِنَ النَّومِ طَلَبًا لِقُرْبِكَ وَعِنايَتِكَ، لَمْ يَزَلْ طَرْفُهُمْ إِلى مَشْرِقِ أَلْطافِكَ وَوَجْهُهُمْ إِلى مَطْلَعِ إِلْهامِكَ، فَأَنْزِلْ عَلَيْنا وَعَلَيْهِمْ مِنْ سَحَابِ رَحْمَتِكَ ما يَنْبَغِي لِسَمآءِ فَضْلِكَ وَكَرَمِكَ، سُبْحَانَكَ يا إِلهِي هذِهِ ساعَةٌ فِيها فَتَحْتَ أَبْوابَ جُودِكَ عَلَى وَجْهِ بَرِيَّتِكَ وَمَصارِيْعَ عِنايَتِكَ لِمَنْ فِي أَرْضِكَ، أَسْئَلُكَ بِالَّذِينَ سُفِكتْ دِمائُهُمْ فِي سَبِيلِكَ وَانْقَطَعُوا عَنْ كُلِّ الجِهاتِ شَوْقًا لِلِقائِكَ، وَأَخَذَتْهُمْ نَفَحاتُ وَحْيِكَ عَلَى شَأْنٍ يُسْمَعُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزاءِ أَبْدانِهِمْ ذِكْرُكَ وَثَنائُكَ بِأَنْ لا تَجْعَلَنا مَحْرُومًا عَمَّا قَدَّرْتَهُ فِي هذا الظُّهُورِ الَّذِيْ بِهِ يَنْطِقُ كُلُّ شَجَرٍ بِما نَطَقَ بِهِ سِدْرَةُ السِّينآءِ لِمُوسى كلِيْمِكَ وَيُسَبِّحُ كُلُّ حَجَرٍ بِما سَبَّحَ بِهِ الحُصاةُ فِي قَبْضَةِ مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ، فَيا إِلهِي هؤُلآءِ عِبادُكَ الَّذِينَ جَعَلْتَهُمْ مُعاشِرَ نَفْسِكَ وَمُؤانِسَ مَطْلَعِ ذاتِكَ وَفَرَّقَتْهُمْ أَرْياحُ مَشِيَّتِكَ إِلى أَنْ أَدْخَلَتْهُمْ فِي ظِلِّكَ وَجِوارِكَ، أَيْ رَبِّ لَمَّا أَسْكَنْتَهُمْ فِي ظِلِّ قِبابِ رحْمَتِكَ وَفِّقْهُمْ عَلَى ما يَنْبَغِي لِهذَا الْمَقامِ الأَسْنی، أَيْ رَبِّ لا تَجْعَلْهُمْ مِنَ الَّذِينَ فِي القُرْبِ مُنِعُوا عَنْ زيارَةِ طَلْعَتِكَ وَفِي الوِصالِ جُعِلُوا مَحْرُومًا عَنْ لِقائِكَ، أَيْ رَبِّ هؤُلآءِ عِبَادٌ دَخَلُوا مَعَكَ فِي هذا السِّجْنِ الأَعْظَمِ وَصَامُوا فِيهِ بِما أَمَرْتَهُمْ فِي أَلْواحِ أَمْرِكَ وَصَحائِفِ حُكْمِكَ، فَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ ما يُقَدِّسُهُمْ عَمَّا يَكرَهُهُ رِضائُكَ لِيَكُونُوا خالِصًا لِوَجْهِكَ وَمُنْقَطِعًا عَنْ دُونِكَ، فَأَنْزِلْ عَلَيْنَا يا إِلهِي ما يَنْبَغِي لِفَضْلِكَ وَيَلِيقُ لِجُودِكَ، ثُمَّ اجْعَلْ يا إِلهِي حَياتَنا بِذِكْرِكَ وَمَماتَنا بِحُبِّكَ، ثُمَّ ارْزُقْنا لِقائَكَ فِي عَوالِمِكَ الَّتِيْ ما اطَّلَعَ بِها أَحَدٌ إِلاَّ نَفْسُكَ، إِنَّكَ أَنْتَ رَبُّنا وَرَبُّ العالَمِيْنَ وَإِلهَ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالأَرَضِينَ، فَيا إِلهِي تَرَى ما وَرَدَ عَلَى أَحِبَّائِكَ فِي أَيَّامِكَ، فَوَعِزَّتِكَ ما مِنْ أَرْضٍ إِلاَّ وَفِيهَا ارْتَفَعَ ضَجِيجُ أَصْفِيائِكَ، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ المُشْرِكُونَ أُسارَى فِي مَمْلَكَتِكَ وَمَنَعُوهُمْ عَنِ التَّقَرُّبِ إِلَيْكَ وَالوُرُودِ فِي ساحَهِ عِزِّكَ، وَمِنْهُمْ يا إِلهِي تَقَرَّبُوا إِلَيْكَ وَمُنِعُوا عَنْ لِقائِكَ، وَمِنْهُمْ دَخَلُوا فِي جِوارِكَ طَلَبًا لِلِقائِكَ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَكَ سُبُحاتُ خَلْقِكَ وَظُلْمُ طُغاةِ بَرِيَّتِكَ، أَيْ رَبِّ هذِهِ ساعَةٌ جَعَلْتَها خَيْرَ السَّاعاتِ وَنَسَبْتَها إِلى أَفْضَلِ خَلْقِكَ، أَسْئَلُكَ يا إِلهِي بِكَ وَبِهِمْ بِأَنْ تُقَدِّرَ فِي هذِهِ السَّنَةِ عِزًّا لأَحِبَّائِكَ، ثُمَّ قَدِّرْ فِيها ما يَسْتَشْرِقُ بِهِ شَمْسُ قُدْرَتِكَ عَنْ أُفُقِ عَظَمَتِكَ وَيَسْتَضِيءُ بِها العالَمُ بِسُلْطانِكَ، أَيْ رَبِّ فَانْصُرْ أَمْرَكَ وَاخْذُلْ أَعْدائَكَ، ثُمَّ اكْتُبْ لَنا خَيْرَ الآخِرَةِ وَالأُولى وَإِنَّكَ أَنْتَ الحَقُّ عَلاَّمُ الغُيُوبِ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ الغَفُورُ الْكَرِيمُ.

OV