separator

لوح مقصود (معرّب) – مجموعة من الواح حضرة بهاءالله (نزلت بعد كتاب الاقدس)، الصفحة ۱۳۹

لوح مقصود

(معرّب عن الفارسية)

هُوَ اللهُ تَعَالَى شَأْنهُ العَظَمَة وَالإِقْتِدَار

حَمْدَاً تَقَدَّسَ عَنِ الذِّكْرِ وَالْبَيَانِ يَلِيقُ بِحَضْرَةِ الْمَعْبُودِ وَمَالِكِ الْغَيْبِ وَالشُّهُودِ. الَّذِي أَوْجَدَ مِنَ النُّقْطَةِ الأُولَى كُتُبَاً لاَ تُحْصَى. وَأَبْدَعَ خَلْقَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مِنْ كَلِمَتِهِ الْعُلْيَا. وَأَرْسَلَ سَفِيرَاً بِمَا تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنَ الْقُرُونِ وَكُلِّ عَصْرٍ مِنَ الْعُصُورِ لِيُحْيِى الْخَلْقَ الْخَامِدَ بِمَاءِ الْبَيَانِ. فَهُوَ الْمُبَيِّنُ وَهُوَ الْمُتَرْجِمُ لأَنَّ النَّاسَ قَاصِرُونَ وَعَاجِزُونَ عَنْ إِدْرَاكِ مَا جَرَى مِنَ الْقَلَمِ الأَعْلَى فِي الْكُتُبِ الإِلَهِيَّةِ. وَعَلَى أَيِّ حَالٍ لاَ بُدَّ مِنَ الْمُذَكِّرِ وَالْهَادِي وَالْمُعَرِّفِ وَالْمُعَلِّمِ. لِذَا أَرْسَلَ السُّفَرَآءَ وَالأَنْبِيَآءَ وَالأَصْفِيَآءَ لِيُطْلِعُوا النَّاسَ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ إِنْزَالِ الْكُتُبِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ. وَلِيَعْرِفَ الْكُلُّ الْوَدِيعَةَ الرَّبَّانِيَّةَ الْكَامِنَةَ فِي أَنْفُسِهِمْ. الإِنْسَانُ هُوَ الطِّلَسْمُ الأَعْظَمُ وَلَكِنَّ عَدَمَ التَّرْبِيَةِ حَرَمَهُ مِمَّا فِيهِ. خَلَقَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَدَاهُ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى إِلَى مَقَامِ التَّعْلِيمِ وَحَفَظَ بِكَلِمَةٍ ثَالِثَةٍ مَرَاتِبَهُ وَمَقَامَاتِهِ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: أُنْظُرْ إِلَى الإِنْسَانِ بِمَثَابَةِ مَعْدِنٍ يَحْوِي أَحْجَارَاً كَرِيمَةً تَخْرُجُ بِالتَّرْبِيَةِ جَوَاهِرُهُ إِلَى عَرْصَةِ الشُّهُودِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا الْعَالَمُ الإِنْسَانِيُّ.

إِذَا نَظَرَ أَحَدٌ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ سَمَآءِ الأَحَدِيَّةِ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ وَتَفَكَّرَ فِيهَا أَدْرَكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ أَنْ يُعْتَبَرَ النُّفُوسُ كُلُّهُمْ نَفْسَاً وَاحِدَاً حَتَّى يَنْطَبِعَ فِي جَمِيعِ الْقُلُوبِ نَقْشُ خَاتَمِ "الْمُلْكُ للهِ" وَتُحِيطَ الْكُلَّ شُمُوسُ الْعِنَايَةِ وَإِشْرَاقَاتُ أَنْجُمِ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ. إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ مَا أَخَذَ شَيْئَاً لِنَفْسِهِ. فَلاَ طَاعَةُ الْعَالَمِ لَهُ تُجْدِيهِ نَفْعَاً وَلاَ عَدَمُ طَاعَتِهِ لَهُ يُلْحِقُ بِهِ نَقْصَاً. يَنْطِقُ طَيْرُ مَلَكُوتِ الْبَيَانِ فِي كُلِّ آنٍ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ: أَرَدْتُ الْكُلَّ لَكَ وَأَرَدْتُكَ لِنَفْسِكَ. لَوْ سَمَحَ عُلَمَآءُ هَذَا الْعَصْرِ لِمَنْ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى يَجِدُوا رَائِحَةَ الْمَحَبَّةِ وَالاتِّحَادِ لأَدْرَكَ الْعَارِفُونَ عِنْدَئِذٍ الْحُرِّيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ وَوَجَدُوا الرَّاحَةَ كُلَّ الرَّاحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةَ كُلَّ الطُّمَأْنِينَةِ. إِذَا تَنَوَّرَتْ الأَرْضُ بِأَنْوَارِ شَمْسِ هَذَا الْمَقَامِ إِذَاً يَصْدُقُ أَنْ يُقَالَ ﴿لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجَاً وَلاَ أَمْتَاً﴾.

وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ ابْتَسَمَ بِظُهُورِهِ ثَغْرُ الْبَطْحَاءِ3 وَتَعَطَّرَ بِنَفَحَاتِ قَمِيصِهِ كُلُّ الْوَرَى الَّذِي أَتَى لِحِفْظِ الْعِبَادِ عَنْ كُلِّ مَا يَضُرُّهُمْ فِي نَاسُوتِ الإِنْشَآءِ. تَعَالَى تَعَالَى مَقَامُهُ عَنْ وَصْفِ الْمُمْكِنَاتِ وَذِكْرِ الْكَائِنَاتِ. بِهِ ارْتَفَعَ خِبَآءُ النَّظْمِ فِي الْعَالَمِ وَعَلَمُ الْعِرْفَانِ بَيْنَ الأُمَمِ. وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ بِهِمْ نُصِبَتْ رَايَاتُ التَّوْحِيدِ وَأَعْلاَمُ النَّصْرِ وَالتَّفْرِيدِ. وَبِهِمِ ارْتَفَعَ دِينُ اللهِ بَيْنَ خَلْقِهِ وَذِكْرُهُ بَيْنَ عِبَادِهِ. أَسْأَلُهُ تَعَالَى بِأَنْ يَحْفَظَهُ عَنْ شَرِّ أَعْدَائِهِ الَّذِينَ خَرَقُوا الأَحْجَابَ وَهَتَكُوا الأَسْتَارَ إِلَى أَنْ نُكِسَتْ رَايَةُ الإِسْلاَمِ بَيْنَ الأَنَامِ.

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ وَصَلَ خِطَابُكَ وَتَضَوَّعَتْ مِنْهُ نَفْحَهُ الْوِصَالَ وَقَدْ مَرَّ – وَالْحَمْدُ للهِ – نَسِيمُ الْقُرْبِ وَاللِّقَآءِ بَعْدَ حُكْمِ الْفِرَاقِ الْمُحْكَمِ وَأَنْعَشَ أَرْضَ الْقَلْبِ بِمَاءِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ. للهِ الْحَمْدُ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ. الأَمَلُ أَنْ يَمُنَّ اللهُ بِعِنَايَتِهِ وَيَهْدِيَ جَمِيعَ مَنْ عَلَى الأَرْضِ إِلَى مَا يُحِبُّ وَيَرْضَى.

لاحِظُوا كَمْ مِنَ السِّنِينَ مَضَتْ وَلَمْ تَهْدَأْ فِيهَا الأَرْضُ وَلاَ أَهْلُهَا. إِنَّهُمْ مَشْغُولُونَ بِالْحَرْبِ تَارَةً وَمُعَذَّبُونَ بِالْبَلاَيَا الْمُفَاجِئَةِ تَارَةً أُخْرَى وَقَدْ أَحَاطَتِ الأَرْضَ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ. وَمَعَ ذَلِكَ لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ سَبَبَهُ وَعِلَّتَهُ. إِذَا تَكَلَّمَ النَّاصِحُ الْحَقِيقِيُّ أَخَذُوهَا عَلَى مَحْمَلِ الْفَسَادِ وَلْم يَقْبَلُوهَا مِنْهُ. الإِنْسَانُ فِي حَيْرَةٍ مَاذَا يَقُولُ وَبِمَاذَا يَتَحَدَّثُ لاَ يُرَى فِي الْحَقِيقَةِ نَفْسَانِ مُتَّحِدَانِ ظَاهِرَاً وَبَاطِنَاً. وَمَعَ أَنَّ الْكُلَّ خُلِقُوا لِلاتِّحَادِ وَالاتِّفَاقِ تَرَى آثَارَ النِّفَاقِ مَوْجُودَةً وَمَشْهُودَةً فِي الآفَاقِ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ قَدِ ارْتَفَعَتْ خَيْمَةُ الاتِّحَادِ لاَ يَنْظُرْ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ كَنَظْرَةِ غَرِيبٍ إِلَى غَرِيبٍ. كُلُّكُمْ أَثْمَارُ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَوْرَاقُ غُصْنٍ وَاحِدٍ.

أَلأَمَلُ أَنْ يَسْطَعَ نُورُ الإِنْصَافِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَيُقَدِّسَ الْعَالَمَ مِنَ الاعْتِسَافِ. فَلَوْ أَنَّ الْمُلُوكَ وَالسَّلاَطِينَ الَّذِينَ هُمْ مَظَاهِرُ اقْتِدَارِ الْحَقِّ جَلَّ جَلاَلُهُ شَدُّوا الْهِمَّةَ وَقَامُوا بِمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ عَلَى الأَرْضِ لَعَمَّتِ الْعَالَمَ شَمْسُ الْعَدْلِ وَنَوَّرَتْهُ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: إِنَّ خِبَآءَ نَظْمِ الْعَالَمِ يَقُومُ وَيَرْتَفِعُ عَلَى عَمُودَيْنِ: الْمُجَازَاةِ وَالْمُكَافَاةِ. وَيَقُولُ فِي مَقَامٍ آخَرَ بِاللُّغَةِ الْفُصْحَى: لِلْعَدْلِ جُنْدٌ وَهِيَ مَجَازَاةُ الأَعْمَالِ وَمُكَافَاتُهَا بِهِمَا ارْتَفَعَ خِبَآءُ النَّظْمِ فِي الْعَالَمِ وَأَخَذَ كُلُّ طَاغٍ زِمَامَ نَفْسِهِ مِنْ خَشْيَةِ الْجَزَآءِ. وَفِي مَقَامٍ آخَرَ: يَا مَعْشَرَ الأُمَرَآءِ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ جُنْدٌ أَقْوَى مِنَ الْعَدْلِ وَالْعَقْلِ. أَلْحَقُّ أَقُولُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الأَرْضِ جُنْدٌ أَقْوَى مِنَ الْعدْلِ وَالْعَقْلِ وَلَنْ يَكُونَ. طُوبَى لِمَلِكٍ يَمْشِي وَتَمْشِي أَمَامَ وَجْهِهِ رَايَةُ الْعَقْلِ وَعَنْ وَرَائِهِ كَتِيبَةُ الْعَدْلِ إِنَّهُ غُرَّةُ جَبِينِ السَّلاَمِ بَيْنَ الأَنَامِ وَشَامَةُ وَجَنَةِ الأَمَانِ فِي الإِمْكَانِ.

فِي الْحَقِيقَةِ إِذَا انْقَشَعَ سَحَابُ الظُّلْمِ عَنْ شَمْسِ الْعَدْلِ لِتُرَى الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ.

وَفِي مَقَامٍ آخَرَ فِي السَّبَبِ الأَوَّلِ وَالْعِلَّةِ الأُولَى لِسُكُونِ الأُمَمِ وَرَاحَتِهَا وَعَمَارِ الْعَالَمِ يَقُولُ سَيِّدُ الْوُجُودِ: لا بُدَّ أَنْ تُشَكَّلَ فِي الأَرْضِ هَيْئَةٌ عُظْمَى يَتَفَاوَضُ الْمُلُوكُ وَالسَّلاَطِينُ فِي تِلْكَ الْهَيْئَةِ بِشَأْنِ الصُّلْحِ الأَكْبَرِ. وَذَلِكَ بِأَنْ تَتَشَبَّثَ الدُّوَلُ الْعُظْمَى بِصُلْحٍ مُحْكَمٍ لِرَاحَةِ الْعَالَمِ. وَإِذَا قَامَ مَلِكٌ عَلَى مَلِكٍ قَامَ الْجَمِيعُ مُتَّفِقِينَ عَلَى مَنْعِهِ. وَبِهَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَحْتَاجُ الْعَالَمُ قَطُّ إِلَى الْمُهِمَّاتِ الْحَرْبِيَّةِ وَالصُّفُوفِ الْعَسْكَرِيَّةِ إِلاَّ عَلَى قَدْرٍ يَحْفَظُونَ بِهِ مَمَالِكَهُمْ وَبُلْدَانَهُمْ. هَذَا هُوَ السَّبَبُ لِرَاحَةِ الدَّوْلَةِ وَالرَّعِيَّةِ وَالْمَمْلَكَةِ. عَسَى أَنْ يَفُوزَ بِمَشِيئَةِ اللهِ الْمُلُوكُ وَالسَّلاَطِينُ الَّذِينَ هُمْ مَرَايَا اسْمِ اللهِ الْعَزِيزِ بِهَذَا الْمَقَامِ وَيَحْفَظُوا الْعَالَمَ مِنْ سَطْوَةِ الظُّلْمِ.

وَكَذَلِكَ تَفَضَّلَ بِقَوْلِهِ: مِنْ جُمْلَةِ الأُمُورِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الاتِّحَادِ وَالاتِّفَاقِ وَبِهَا يُرَى جَمِيعُ الْعَالَمِ وَطَنَاً وَاحِدَاً هِيَ أَنْ تَنْتَهِيَ الأَلْسُنُ الْمُتَنَوِّعَةُ إِلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ خُطُوطُ الْعَالَمِ إِلَى خَطٍّ وَاحِدٍ. عَلَى جَمِيعِ الْمِلَلِ أَنْ يُعَيِّنُوا أَشْخَاصَاً مِنْ ذَوِي الْفَهْمِ وَالْكَمَالِ لِيَجْتَمِعُوا وَيَخْتَارُوا – بِمُشَاوَرَةِ بَعْضِهِمِ الْبَعْضَ – لُغَةً مِنَ اللُّغَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ أَوْ يَخْتَرِعُوا لُغَةً جَدِيدَةً يُعَلِّمُونَهَا الأَطْفَالَ فِي جَمِيعِ مَدَارِسِ الْعَالَمِ.

سَيَتَزَيَّنُ جَمِيعُ أَهْلِ الْعَالَمِ قَرِيبَاً بِلِسَانٍ وَاحِدٍ وَخَطٍّ وَاحِدٍ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا اتَجَّهَ أَيُّ شَخْصٍ إِلَى بَلَدٍ فَكَأَنَّهُ وَرَدَ إِلَى بَيْتِهِ. إِنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لازِمَةٌ وَوَاجِبَةٌ فَعَلَى كُلِّ ذِي بَصَرٍ وَسَمْعٍ أَنْ يَجْهَدَ كُلَّ الْجَهْدِ حَتَّى تَتَحَوَّلَ الْوَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ جَمِيعُهَا مِنْ عَالَمِ الأَلْفَاظِ وَالأَقْوَالِ إِلَى عَرْصَةِ الشُّهُودِ وَالْعَيَانِ. يُرَى الْيَوْمَ هَيْكَلُ الْعَدْلِ تَحْتَ مَخَالِبِ الظُّلْمِ وَالاعْتِسَافِ. اسْأَلُوا اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنْ لاَ يَحْرِمَ النُّفُوسَ مِنْ بَحْرِ الْعِرْفَانِ حَيْثُ إِنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا لأَدْرَكُوا أَنَّ كُلَّ مَا جَرَى وَثَبَتَ مِنْ قَلَمِ الْحِكْمَةِ هُوَ بِمَثَابَةِ الشَّمْسِ لِلْعَالَمِ وَفِي ذَلِكَ رَاحَةُ الْكُلِّ وَأَمْنُهُمْ وَمَصْلَحَتُهُمْ وَمِنْ دُونِ ذَلِكَ يَنْزِلُ بِالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ بَلآءٌ جَدِيدٌ وَتَقُومُ فِتْنَةٌ جَدِيدَةٌ. عَسَى اللهُ أَنْ يُوَفِّقَ أَهْلَ الْعَالَمِ لِحِفْظِ سُرُجِ الْبَيَانَاتِ الْمُشْفِقَةِ بِمَصَابِيحِ الْحِكْمَةِ. الأَمَلُ أَنْ يَتَحَلَّى الْكُلُّ بِطِرَازِ الْحِكْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هِيَ أُسُّ أَسَاسِ سِيَاسَةِ الْعَالَمِ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: إِنَّ سَمَآءَ السِّيَاسَةِ مُنِيرَةٌ بِنَيِّرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي أَشْرَقَتْ مِنْ مَشْرِقِ الإِرَادَةِ. يَنْبَغِي لِكُلِّ آمِرٍ أَنْ يَزِنَ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِمِيزَانِ الْقِسْطِ وَالْعَدْلِ ثُمَّ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ وَيَأْمُرَهُمْ بِمَا يَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْحِكْمَةِ وَالْعَقْلِ.

هَذَا هُوَ أُسُّ السِّيَاسَةِ وَأَصْلُهَا. يَسْتَنْبِطُ الْحَكِيمُ الْعَارِفُ مِنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَا يُؤَدِّي إِلَى الرَّاحَةِ وَالأَمَانِ وَحِفْظِ النُّفُوسِ وَحَقْنِ الدِّمَآءِ وَأَمْثَالِهَا. لَوْ شَرِبَ ذَوُو الأَفْئِدَةِ مِنْ بَحْرِ الْمَعَانِي الْمَسْتُورَةِ فِي هَذِهِ الأَلْفَاظِ وَأَدْرَكُوهَا لَشَهِدُوا جَمِيعَاً عَلَى عُلُوِّ الْبَيَانِ وَسُمُوِّهِ. لَوْ عَرَضَ هَذَا الْفَانِي مَا أَدْرَكَهُ لَشَهِدَ الْجَمِيعُ بِالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ الإِلهِيَّةِ. إِنَّ أَسْرَارَ السِّيَاسَةِ مَكْنُونَةٌ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَكُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ مَخْزُونٌ فِيهَا. فَهَذَا الْخَادِمُ الْفَانِي يَسْأَلُ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ وَيَأْمُلُ أَنْ يُنَوِّرَ أَبْصَارَ الْعَالَمِ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَيْ يُدْرِكَ الْكُلُّ مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الْيَوْمُ فَالإِنْسَانُ الْيَوْمَ هُوَ الَّذِي قَامَ عَلَى خِدْمَةِ جَمِيعِ مَنْ عَلَى الأَرْضِ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: طُوبَى لِمَنْ أَصْبَحَ قَائِمَاً عَلَى خِدْمَةِ الأُمَمِ. وَيَقُولُ فِي مَقَامٍ آخَرَ: لَيْسَ الْفَخْرُ لِمَنْ يُحِبُّ الْوَطَنَ بَلْ لِمَنْ يُحِبُّ الْعَالَم.

يُعْتَبَرُ الْعَالَمُ فِي الْحَقِيقَةِ وَطَنَاً وَاحِدَاً وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ أَهْلُهُ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الاتِّحَادِ وَالاتِّفَاقِ الْمَنْصُوصَيْنِ بِالْقَلَمِ الأَعْلَى فِي كُتُبِ الأَنْبِيَآءِ كَانَ وَلَمْ يَزَلْ فِي أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَيْسَ فِي اتِّحَادٍ يُؤَدِّي إِلَى الاخْتِلاَفِ وَاتِّفَاقٍ يُمْسِي عِلَّةً لِلنِّفَاقِ. هَذَا مَقَامُ الْقِيَاسِ وَالْمِقْدَارِ وَمَقَامُ إِعْطَآءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. طُوبَى لِمَنْ عَرَفَ وَفَازَ وَيَا حَسْرَةً لِلْغَافِلِينَ. تَشْهَدُ بِذَلِكَ آثَارُ الطَّبِيعَةِ بِنَفْسِهَا وَيَعْلَمُ كُلُّ حَكِيمٍ مَا عَرَضْنَاهُ إلاَّ مَنْ كَانَ مِنْ كَوْثَرِ الإِنْصَافِ مَحْرُومَاً وَفِي هَيْمَآءِ الْغَفْلَةِ وَالْحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ هَائِمَاً.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: يَا أَبْنَاءَ الإِنْسَانِ إِنَّ دِينَ اللهِ وَمَذْهَبَهُ لأَجْلِ حِفْظِ الْعَالَمِ وَاتِّحَادِهِ وَاتِّفَاقِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَأُلْفَتِهِ لاَ تَجْعَلُوهُ سَبَبَاً لِلنَّفَاقِ وَالاخْتِلاَفِ وَعِلَّةً لِلضَّغِينَةِ وَالْبَغْضَآءِ هَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَالأُسُّ الْمُحْكَمُ الْمَتِينُ. كُلُّ مَا يُشَادُ عَلَى هَذَا الأَسَاسِ لاَ تُزَعْزِعُهُ حَوَادِثُ الدُّنْيَا وَلاَ يُقَوِّضُ أَرْكَانَهُ مَدَى الزَّمَانِ. الأَمَلُ أَنْ يَقُومَ عُلَمَآءُ الأَرْضِ وَأُمَرَاؤُهَا مُتَّحِدِينَ عَلَى إِصْلاَحِ الْعَالَمِ وَبَعْدَ التَّفْكِيرِ وَالْمَشُورَةِ الْكَامِلَةِ يَشْفُوا بِدِرْيَاقِ التَّدْبِيرِ هَيْكَلَ الْعَالَمِ الَّذِي يَبْدُو الآنَ مَرِيضَاً وَيُزَيِّنُوهُ بِطِرَازِ الصِّحَّةِ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: إِنَّ سَمَاءَ الْحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ مُسْتَضِيئَةٌ وَمُسْتَنِيرَةٌ بِنَيِّرَيْنِ: الْمَشُورَةِ وَالشَّفَقَةِ. تَمَسَّكُوا بِالْمَشُورَةِ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ فَهِيَ سِرَاجُ الْهِدَايَةِ إِنَّهَا تَهْدِي السَّبِيلَ وَتَهِبُ الْمَعْرِفَةَ.

يَجِبُ النَّظَرُ إِلَى عَاقِبَةِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ بِدَايَتِهِ وَأَنْ يَنْكَبَّ الأَطْفَالُ عَلَى عُلُومٍ وَفُنُونٍ تُؤَدِّي إِلَى مَنْفَعَةِ الإِنْسَانِ وَرُقِيِّهِ وَإِعْلآءِ مَقَامِهِ كَيْ تَزُولَ رَائِحَةُ الْفَسَادِ مِنَ الْعَالَمِ وَيُصْبِحَ الْكُلُّ بِفَضْلِ هِمَّةِ أَوْلِيَآءِ الدَّوْلَةِ وَالْمِلَّةِ مُسْتَرِيحِينَ فِي مَهْدِ الأَمْنِ وَالإِطْمِئْنَانِ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: عَلَى عُلَمَآءِ الْعَصْرِ أَنْ يَأْمُرُوا النَّاسَ بِتَحْصِيلِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ كَيْ يَنْتَفِعُوا مِنْهَا بِأَنْفُسِهِمْ وَيَنْتَفِعَ مِنْهُ أَهْلُ الْعَالَمِ. كَانَتْ وَمَا زَالَتِ الْعُلُومُ الَّتِي تَبْدَأُ بِالْكَلاَمِ وَتَنْتَهِي بِالْكَلاَمِ دُونَ فَائِدَةٍ. إِنَّ مُعْظَمَ حُكَمَآءِ إِيرَانَ يَصْرِفُونَ أَعْمَارَهُمْ فِي دِرَاسَةِ الْحِكْمَةِ وَلَكِنَّ الْحَاصِلَ لَهُمْ فِي الْعَاقِبَةِ لَيْسَتْ إِلاَّ أَلْفَاظَاً. وَعَلَى الرُّؤَسَآءِ أَنْ يَكُونُوا نَاظِرِينَ إِلَى الاعْتِدَالِ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ حَيْثُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ جَاوَزَ حَدَّ الاعْتِدَالِ حُرِمَ مِنْ طِرَازِ التَّأْثِيرِ. مِثَالُ ذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ وَالتَّمَدُّنُ وَأَمْثَالُهُمَا – بِالرُّغْمِ مِنْ كَوْنِهَا مَوْضِعَ قَبُولِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ – لَوْ جَاوَزَتْ حَدَّ الاعْتِدَالِ أَدَّتْ إِلَى الضَّرَرِ. وَإِذَا أَسْهَبْنَا فِي هَذَا الْمَجَالِ فَإِنَّ الْبَيَانَ يَطُولُ وَيُخْشَى أَنْ يكُونَ سَبَبَاً لِلْمَلَلِ. يَسْأَلُ اللهَ جُلَّ جَلاَلُهُ هَذَا الْفَانِي آمِلاً أَنْ يَهَبَ الْكُلَّ خَيْرَاً. وَفِي الْحَقِيقَةِ كُلُّ نَفْسٍ فَازَتْ بِذَلِكَ مَلَكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: يَقُولُ لِسَانُ الْعَقْلِ مَنْ لاَ يَمْلِكُنِي لاَ يَمْلِكُ شَيْئَاً. انْبِذُوا كُلَّ شَيْءٍ وَابْحَثُوا عِنِّي أَنَا شَمْسُ الْبَصِيرَةِ وَبَحْرُ الْمَعْرِفَةِ أُنْعِشُ الْخَامِلِينَ وَأُحْيِى الأَمْوَاتَ. أَنَا ذَلِكَ النُّورُ الَّذِي يَسْتَنِيرُ بِهِ الأَبْصَارُ فِي الطَّرِيقِ وَأَنَا صَقَرُ سَاعِدِ اللهِ الْغَنِيِّ أُحَرِّرُ ذَوِي الأَجْنِحَةِ الْمَغْلُولَةِ وَأُعَلِّمُهُمُ الطَّيَرَانَ. وَكَذَلِكَ يَقُولُ: سَمَآءُ الْعَقْلِ مُضِيئَةٌ بِشَمْسِ الْحِلْمِ وَالتَّقْوَى.

يَا حَبِيبِي إِنَّ بُحُورَاً مُتَّسِعَةً كَامِنَةٌ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمُخْتَصَرَةِ طُوبَى لِنَفْسٍ عَرَفَتْ وَشَرِبَتْ وَالْحَسْرَةُ لِلْغَافِلِينَ.

يَلْتَمِسُ هَذَا الْفَانِي مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ الإِنْصَافَ كَيْ يُطَهِّرُوا الأُذُنَ اللَّطِيفَةَ الرَّقِيقَةَ الْمَحْبُوبَةَ – الَّتِي خُلِقَتْ لإِصْغَاءِ كَلِمَةِ الْحِكْمَةِ – مِنَ السُّبُحَاتِ وَالإِشَارَاتِ وَالظُّنُونِ وَالأَوْهَامِ الَّتِي لاَ تُسْمِنُ وَلاَ تُغْنِي حَتَّى يُقْبِلَ النَّاصِحُ عَلَى إِظْهَارِ مَا هُوَ عِلَّةُ بَرَكَةِ الْعَالَمِ وَخَيْرِ الأُمَمِ إِنَّ نُورَ الإِصْلاَحِ مَخْمُودٌ وَمُطْفَأٌ الْيَوْمَ فِي أَكْثَرِ الْبُلْدَانِ وَنَارُ الْفَسَادِ ظَاهِرَةٌ وَمُشْتَعِلَةٌ ... لَيْسَ الاعْتِسَافُ شَأْنَ الإِنْسَانِ. فَيَنْبَغِي لَهُ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ نَاظِرَاً إِلَى الإِنْصَافِ وَمُزَيَّنَاً بِطِرَازِ الْعَدْلِ. اطْلُبُوا مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُطَهِّرَ نُفُوسَاً بِأَيَادِي الْعِنَايَةِ وَالتَّرْبِيَةِ مِنْ دَنَسِ النَّفْسِ وَالْهَوَى حَتَّى يَقُومُوا للهِ وَيَتَكَلَّمُوا لِوَجْهِهِ عَسَى أَنْ تُمْحَى آثَارُ الظُّلْمِ وَتُحِيطَ الْعَالَمَ أَنْوَارُ الْعَدْلِ. النَّاسُ غَافِلُونَ وَلاَ بُدَّ مِنْ مُبَيِّنٍ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: الْحَكِيمُ الْعَارِفُ وَالْعَالِمُ الْبَصِيرُ هُمَا بَصَرَانِ لِهَيْكَلِ الْعَالَمِ عَسَى أَنْ لاَ يُحْرَمَ الْعَالَمُ بِمَشِيئَةِ اللهِ مِنْ هَاتَيْنِ الْعَطِيَّتَيْنِ الْكُبْرَيَيْنِ وَأَنْ لاَ يُمْنَعَ عَنْهُمَا.

إِنَّ حُبَّ هَذَا الْعَبْدِ لِخِدْمَةِ مَنْ عَلَى الأَرْضِ أَجْمَعِينَ كَانَ وَلَمْ يَزَلْ بَاعِثَاً لِكُلِّ مَا ذُكِرَ وَيُذْكَرُ. يَا حَبِيبِي عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَتَشَبَّثَ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ بِمَا هُوَ السَّبَبُ وَالْعِلَّةُ لأَمْنِ الْعَالَمِ وَرَاحَتِهِ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: إِنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ هُوَ الَّذِي كَانَ وَلَمْ يَزَلْ يُطَهِّرُكُمْ مِنَ الدَّنَسِ فِي هَذَا الْيَوْمِ السَّعِيدِ وَيُوصِلُكُمْ إِلَى السَّعَادَةِ.

عَسَى أَنْ يَتَنَبَّهَ أَهْلُ الْعَالَمِ – إِنْ شَاءَ اللهُ – بِهِمَّةِ أَوْلِيَآءِ الأَرْضِ وَحُكَمَائِهَا إِلَى مَا يَنْفَعُهُمْ. إِلَى مَتَى الْغَفْلَةُ إِلَى مَتَى الاعْتِسَافُ إِلَى مَتَى الْفَوْضَى وَالاخْتِلاَفُ. إِنَّ هَذَا الْخَادِمَ الْفَانِي لَفِي حَيْرَةٍ فَالْجَمِيعُ ذَوُو الْبَصَرِ وَالسَّمَعِ وَلَكِنْ يَبْدُو أَنَّهُمْ مَحْرُومُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَالاسْتِمَاعِ.

إِنَّ حُبَّ هَذَا الْخَادِمِ لِجِنَابِكَ دَفَعَهُ إِلَى كِتَابَةِ هَذِهِ الأَوْرَاقِ مَعَ أَنَّهُ فِي الْوَاقِعِ تَهُبُّ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أَرْيَاحُ الْيَأْسِ. وَالْفَوْضَى وَالاخْتِلاَفُ فِي تَزَايُدٍ مُسْتَمِرٍّ وَآثَارُ الْهَرْجِ وَالْمَرْجِ مَشْهُودَةٌ لأَنَّ الأَسْبَابَ حَالِيَّاً لاَ تَبْدُو مُنَاسِبَة. أَسْأَلُ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنْ يُنَبِّهَ الْعَالَمَ وَيَجْعَلَ الْعَاقِبَةَ خَيْرَاً وَيُؤَيِّدَهُمْ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَيَلِيقُ. إِذَا عَرَفَ الإِنْسَانُ قَدْرَهُ وَمَقَامَهُ مَا ظَهَرَتْ مِنْهُ سِوَى الأَخْلاَقِ الْحَسَنَةِ وَالأَعْمَالِ الطَّيِّبَةِ الرَّاضِيَةِ الْمَرْضِيَّةِ. إِذَا نَبَّهَ الْمُشْفِقُونَ مِنَ الْعَلَمَاءِ وَالْعُرَفَاءِ النَّاسَ تَرَاءَى الْعَالَمُ بِأَجْمَعِهِ قِطْعَةً وَاحِدَةً. هَذَا حَقٌّ لاَ رَيْبَ فِيهِ. يَسْأَلُ الْخَادِمُ هِمَّةً مِنْ كُلِّ ذِي هِمَّةٍ لِيَقُومَ عَلَى إِصْلاَحِ الْبِلاَدِ وَإِحْيَآءِ الأَمْوَاتِ بِمَاءِ الْحِكْمَةِ وَالْبَيَانِ حُبَّاً للهِ الْفَرْدِ الْوَاحِدِ الْعَزِيزِ الْمَنَّانِ.

لاَ تَظْهَرُ حِكْمَةُ حَكِيمٍ إِلاَّ بِالْبَيَانِ. وَهَذَا هُوَ مَقَامُ الْكَلِمَةِ الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا فِي الْكُتُبِ مِنْ قُبْلُ وَمِنْ بَعْدُ. لأَنَّ الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ بَلَغِ بِالْكَلِمَةِ وَرُوحِهَا إِلَى الْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةِ. وَعَلَى الْبَيَانِ وَالْكَلِمَةِ أَنْ يَكُونَا مُؤَثِّرَيْنِ وَكَذَلِكَ نَافِذَيْنِ. وَسَيَتَّصِفَانِ بِالأَثَرِ وَالنُّفُوذِ إِنْ أُلْقِيَا للهِ وَمُرَاعَاةً لِمُقْتَضَيَاتِ الظُّرُوفِ وَالنُّفُوسِ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: إِنَّ الْبَيَانَ جَوْهَرٌ يَطْلُبُ النُّفُوذَ وَالاعْتِدَالَ. أَمَّا النُّفُوذُ مُعَلَّقٌ بِاللَّطَافَةِ وَاللَّطَافَةُ مَنُوطَةٌ بِالْقُلُوبِ الْفَارِغَةِ الصَّافِيَةِ. وَأَمَّا الاعْتِدَالُ امْتِزَاجُهُ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الأَلْوَاحِ.

لِكُلِّ كَلِمَةٍ رُوحٌ لِذَا عَلَى الْمُتَكَلِّمِ وَعَلَى الْمُبَيِّنِ مُرَاعَاةُ ظُرُوفِ الزَّمَانِ وِالْمَكَانِ فِي إِلْقَاءِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ. حَيْثُ إِنَّ لِكُلِّ كَلِمَةٍ أَثَرَهَا الْمَوْجُودَ الْمَشْهُودَ.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: كَلِمَةٌ هِيَ بِمَثَابَةِ النَّارِ وَأُخْرَى بِمَثَابَةِ النُّورِ وَأَثَرُ كِلْتَيْهِمَا ظَاهِرٌ فِي الْعَالَمِ. لِذَا عَلَى الْحَكِيمِ الْعَارِفِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِكَلِمَةٍ تَكُونُ لِهَا خَاصِيَّةُ اللَّبَنِ حَتَّى يَتَرَبَّى بِهَا أَطْفَالُ الدَّهْرِ وَيَفُوزُوا بِالْغَايَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ الَّتِي هِيَ مَقَامُ النُّبْلِ وَالإِدْرَاكِ. وَكَذَلِكَ يَقُولُ: كَلِمَةٌ هِيَ بِمَثَابَةِ الرَّبِيعِ تَخْضَرُّ أَغْرَاسُ بُسْتَانِ الْمَعْرِفَةِ وَتَنْتَعِشُ وَكَلِمَةٌ أُخْرَى كَالسُّمُومِ.

عَلَى الْحَكِيمِ الْعَارِفِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَمَالِ الْمُدَاراةِ كَيْ يَفُوزَ الْكُلُّ مِنْ حَلاوَةِ الْبَيَانِ بِمَا يَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ. يَا حَبِيبِيْ إِنَّ الْكَلِمَةَ الإِلَهِيَّةَ هِيَ سُلْطَانُ الْكَلِمَاتِ وَنُفُوذُهَا لا يُحْصَى.

تَفَضَّلَ سَيِّدُ الْوُجُودِ قَائِلاً: الْكَلِمَةُ كَانَتْ وَلَمْ تَزَلْ تُسَخِّرُ الْعَالَمَ. إِنَّهَا الْمِفْتَاحُ الأَعْظَمُ فِي الْكَوْنِ لأَنَّ أَبْوَابَ الْقُلُوبِ الَّتِي هِيَ حَقَّاً أَبْوَابُ السَّمَاءِ قَدْ فُتِحَتْ بِهَا. إِنَّ وَمِيضَاً مِنْ تَجَلِّيَاتِهَا أَشْرَقَ عَلَى مِرْآةِ الْحُبِّ فَانْطَبَعَتْ فِيهَا كَلِمَةُ "أَنَا الْمَحْبُوبُ" الْمُبَارَكَةُ. إِنَّهَا بَحْرٌ زَاخِرٌ وَجَامِعٌ مِنْهَا يَظْهَرُ كُلُّ الْمُدْرَكَاتِ. تَعَالَى تَعَالَى هَذَا الْمَقَامُ الأَعْلَى الَّذِي كَيْنُونَةُ الْعُلُوِّ وَالسُّمُوِّ تَمْشِي عَنْ وَرَائِهِ مُهَلِّلاً مُكَبِّرَاً.

يَبْدُو أَنَّ ذَائِقَةَ أَهْلِ الْعَالَمِ قَدْ تَغَيَّرَتْ مِنْ حُمَّى الْغَفْلَةِ وَالْجَهْلِ حَيْثُ تَرَاهُمْ غَافِلِينَ وَمَحْرُومِينَ مِنْ حَلاوَةِ الْبَيَانِ. حَيْفٌ عَلَى الإِنْسَانِ كَبِيرٌ أَنْ يَحْرِمَ نْفَسَهُ مِنْ أَثْمَارِ شَجَرَةِ الْحِكْمَةِ فَالأَيَّامُ وَالسَّاعَاتُ تَمُرُّ عَسَى أَنْ تَحْفَظَ يَدُ الْقُدْرَةِ الْجَمِيعَ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَتُرْشِدَهُمْ إِلَى أُفُقِ الْمَعْرِفَةِ. إِنَّ رَبَّنَا الرَّحْمنَ لَهُوَ الْمُؤَيِّدُ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.

كَمَا أَوَدُّ أَنْ أَقُولَ إِنَّ خِطَابَكُمُ الثَّانِي الْمُرْسَلَ مِنَ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ قَدْ وَصَلَ وَلُوحِظَ مَضْمُونُهُ وَعُرِضَ تِلْقَاءَ الْوَجْهِ. تَفَضَّلَ بِقَوْلِهِ: اكْتُبْ يَا مَقْصُودُ لَقَدْ سَمِعْنَا نِدَاءَكَ وَأَصْغَيْنَا إِلَى نُوَاحِكَ وَحَنِينِكَ فِي الْحُبِّ وَالاشْتِيَاقِ. الْحَمْدُ للهِ أَنَّ عَرْفَ الْمَحَبَّةِ كَانَ سَاطِعَاً مُتَضَوِّعَاً مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا. أَدَامَ اللهُ بِمَشِيئَتِهِ هَذَا الْمَقَامَ. قَدْ أَنْشَدَ الْعَبْدُ الْحَاضِرُ مَا أَنْشَأْتَهُ. وَلَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُكَ تَكْرَارَاً لَدَى الْمَظْلُومِ فَاتَّجَهَ إِلَيْكَ لِحَاظُ الْعِنَايَةِ وَالشَّفَقَةِ. الإِنْسَانُ عَظِيمٌ وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هِمَّتُهُ فِي إِصْلاَحِ الْعَالَمِ وَرَاحَةِ الأُمَمِ عَظِيمَةً. أَسْأَلُ اللهَ الْحَقَّ أَنْ يُؤَيِّدَكَ عَلَى مَا يَلِيقُ لِمَقَامِ الإِنْسَانِ. ضَعِ الْحِكْمَةَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ لأَنَّ بَعْضَاً مِنْ ذَوِي النِّيَّاتِ السَّيِّئَةِ كَانُوا وَمَا زَالُوا يَتَآمَرُونَ عَلَيْنَا. سُبْحَانَ اللهِ إِنَّهُمْ نَسَبُوا إِلَى الْمَقَامِ الْمُقَدَّسِ الَّذِي لاَ يَلْتَمِسُ لِلْعَالَمِ وَالإِنْسَانِيَّةِ سِوَى الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالْعُمْرَانِ وَالإِصْلاَحِ مَا يَخْجَلُ اللِّسَانُ وَالْقَلَمُ مِنْ ذِكْرِهِ. إِنَّا ذَكَرْنَاكَ وَنَذْكُرُكَ وَنَسْأَلُهُ تَعَالَى بِأَنْ يَحْفَظَكَ بِأَيَادِي الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَيُعَرِّفَكَ مَا يَنْفَعُكَ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى إِنَّهُ مَالِكُ الْعَرْشِ وَالثَّرَى وَمَوْلَى الْوَرَى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمُقْتَدِرُ الْقَدِيرُ شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَظْلُومُ مِنْ أَهْلِ الْوَفَآءِ فَهُوَ لا يَنْسَاكَ أَبَدَاً.

وَأَمَّا مَا كَتَبْتَ بِأَنَّكَ عَازِمٌ عَلَى الْبَقَآءِ فِي الشَّامِ حَتَّى الرَّبِيعِ وَسَتَقْصُدُ نَحْوَ الْحَدْبَاءِ4 إِنْ تَيَسَّرَتِ الأَسْبَابُ. يَلْتَمِسُ هَذَا الْخَادِمُ الْفَانِي إِلَى اللهِ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنْ يُيَسِّرُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ وَيَمُنَّ عَلَيْكَ بِعِنَايَتِهِ إِنَّهُ لَهُوَ الْقَوِيُّ الْقَدِيرُ. لَمْ تَظْهَرْ مِنْ خَلْقِ هَذِهِ الدِّيَارِ آثَارُ الْمَحَبَّةِ بِالرَّغْمِ مَا أُبْدِيَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الرَّأْفَةُ كُلُّ الرَّأْفَةِ. يَنْبَغِي لِجَنَابِكَ مُرَاعَاةُ تَمَامِ الْحِكْمَةِ إِنَّهُمْ كَانُوا وَمَا زَالُوا بِصَدَدِ الاعْتِرَاضِ وَالإِنْكَارِ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ. وَهَبَهُمُ اللهُ الْحَقُّ إِنْصَافَاً مِنْ لَدُنْه. بِالنِّسْبَةِ لأُمُورِكَ الْخَاصَّةِ كُلُّ مَا يَحْدُثُ وَتَجِدُهُ مُنَاسِبَاً فَهُوَ مَحْبُوبٌ. وَالأَحَبُّ هُوَ أَنْ يَشْتَغِلَ الإِنْسَانُ بِعَمَلٍ مَا فَالاهْتِمَامُ بِالْعَمَلِ يَصْرِفُ النَّظَرَ عَنْ مَتَاعِبِ الدَّهْرِ. نَسْأَلُ اللهَ أَنْ تَكُونَ دَائِمَاً فِي كَمَالِ الرَّوْحِ وَالرَّيحَانِ وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ فِي أَيَّةِ مَدِينَةٍ وَدَارٍ أَقَمْتَ. عَلَى أَيِّ حَالٍ لاَ يَنْسَى هَذَا الْخَادِمُ الْفَانِي ذَلِكَ الْحَبِيبَ الْكَرِيمَ الْعَطُوفَ وَإِنَّهُ يَذْكُرُكَ عَلَى الدَّوَامِ الأَمْرُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَفَّقَكُمُ اللهُ بِمَشِيئَتِهِ وَأَيَّدَكُمْ بِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى. كَانَ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ أَشْعَارِكَ – فِي الْحَقِيقَةِ – مِرْآةً انْعَكَسَتْ فِيهَا مَدَى إِخْلاَصِكَ وَمَحَبَّتِكَ للهِ وَأَوْلِيَائِهِ هَنِيئَاً لِجَنَابِكَ بِمَا شَرِبْتَ رَحِيقَ الْبَيَانِ وَسَلْسَبِيلَ الْعِرْفَانِ وَهَنِيئَاً لِمَنْ شَرِبَ وَفَازَ وَوَيْلٌ لِلْغَافِلِينَ. وَالْحَقُّ أَقُولُ إِنَّنَا تَأَثَّرْنَا بَعْدَ مُطَالَعَتِهَا لأَنَّهَا كَمَا كَانَتْ تُعَبِّرُ عَنْ نُورِ الْوِصَالِ كَانَتْ أَيْضَاً مُشْتَعِلَةً بِنَارِ الْفِرَاقِ. فَإِنَّنَا فِي مُطْلَقِ الأَحْوَالِ لَسْنَا مَأْيُوسِينَ مِنْ فَضْلِ اللهِ الَّذِي لاَ يَتَنَاهَى. فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ جَعَلَ الذَّرَةَ شَمْسَاً وَالْقَطْرَةَ بَحْرَاً وَفَتَحَ أُلُوفَاً مِنَ الأَبْوَابِ مِنْ حَيْثُ لاَ يَخْطُرُ أَيٌّ مِنْهَا عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ. بَلَغَتْ غَفْلَةُ هَذَا الْخَادِمِ إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ إِثْبَاتَ الْقُدْرَةِ للهِ الْحَقِّ جَلَّ جَلاَلُهُ. أَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ عَمَّا ذَكَرْتُ وَأَذْكُرُ. إِنَّ الْخَادِمَ يَعْتَرِفُ فِي كُلِّ حِينٍ بِجَرِيرَاتِهِ الْعُظْمَى وَخَطِيئَاتِهِ الْكُبْرَى. وَيَسْأَلُ الْعَفْوَ مِنْ بَحْرِ غُفْرَانِ رَبِّهِ تَعَالَى وَمَا يَجْعَلُهُ خَالِصَاً لِوَجْهِهِ وَنَاطِقَاً بِذِكْرِهِ وَمُقْبِلاً إِلَيْهِ وَمُتَّكَلاً عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْمُقْتَدِرُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ للهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.

ثَمَّةَ مَطْلَبٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْفَانِي قَدْ اطَّلَعَ عَلَى جَمِيعِ مُحَاوَرَاتِ السَّياحِ الَّذِي جَاءَ ذِكْرُهُ فِي عَرِيضَتِكَ إِلَى مَوْلاَيَ رُوحِيْ فِدَاهُ. كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّعْبِيرَاتِ الْوَارِدَةِ فِي تِلْكَ الْمُحَاوَرَاتِ كُلِّهَا إِيقَاظَ النَّاسِ مِنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ. فَأَعْمَالُ الإِنْسَانِ نَفْسِهِ هِيَ عِلَّةُ ظُهُورِ أَلْفِ عَزَازِيلَ5. إِذْ إِنَّ النَّاسَ لَوْ يَتَمَسَّكُونَ بِالتَّعَالِيمِ الإِلَهِيَّةِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا لاَ يَبْقَى لِعَزَازِيلَ أَيُّ أَثَرٍ فِي الأَرْضِ فَالْخِلاَفَاتُ وَالنِّفَاقُ وَالْجِدَالُ وَالْمُحَارَبَةُ وَمَا شَاكَلَهَا هِيَ سَبَبُ ظُهُورِ عَزَازِيلَ وَعِلَّتهُ وَلَيْسَتْ لِجِبْرِيلَ يَدٌ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الأُمُورِ. فَالْعَالَمُ الَّذِي لاَ يَظْهَرُ مِنْهُ أَمْرٌ غَيْرُ النِّزَاعِ وَالْجِدَالِ وَالْفسَادِ إِنَّهُ مَقَرُّ عَرْشِ عَزَازِيلَ وَمَحَلُّ سَلْطَنَتِهِ. مَا أَكْثَرَ أُولَئِكَ الأَوْلِيَآءَ وَالأَصْفِيَآءَ الَّذِينَ نَاحُوا فِي اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ رَاجِينَ هُبُوبَ نَسِيمِ عِطِرٍ عَلِيلٍ مِنْ شَطْرِ الإِرَادَةِ الإِلَهِيَّةِ يُزِيلُ الرَّوَائِحَ الْكَرِيهَةَ الْمُنْتِنَةَ مِنَ الْعَالَمِ وَلَكِنَّ مُقْتَضَيَاتِ الأَعْمَالِ الْخَبِيثَةِ وَمُجَازَاتِها الَّتِي تُعْتَبَرُ أُسَّاً مِنْ أَسَاسِ السِّيَاسَةِ الإِلَهِيَّةِ حَالَتْ دُونَ مُرُورِهِ وَمَنَعَتْ ذَلِكَ وَلَمْ تَتْرُكْ مَجَالاً لِظُهُورِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ. لَنَا أَنْ نَصْبِرَ فِي كُلِّ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ الْفَرَجُ مِنَ اللهِ الْغَفُورِ الْكَرِيمِ.

سُبْحَانَكَ يَا إِلهَ الْكَائِنَاتِ وَمَقْصُودَ الْمُمْكِنَاتِ أَسْأَلُكَ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي بِهَا نَادَتِ السِّدْرَةُ وَصَاحَتِ الصَّخْرَةُ وَبِهَا سَرُعَ الْمُقَرَّبُونَ إِلَى مَقَرِّ قُرْبِكَ وَالْمُخْلِصُونَ إِلَى مَطْلِعِ نُورِ وَجْهِكَ. وَبِضَجِيجِ الْعَاشِقِينَ فِي فِرَاقِ أَصْفِيَائِكَ وَحَنِينِ الْمُشْتَاقِينَ عِنْدَ تَجَلِيَّاتِ أَنْوَارِ شَمْسِ ظُهُورِكَ بِأَنْ تُعَرِّفَ عِبْادَكَ مَا أَرَدْتَ لَهُمْ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ ثُمَّ اكْتُبْ لَهُمْ مِنْ قَلَمِكَ الأَعْلَى مَا يَهْدِيهِمْ إِلَى بَحْرِ عَطَائِكَ وَكَوْثَرِ قُرْبِكَ. أَيْ رَبِّ لاَ تَنْظُرْ إِلَيْهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ فَانْظُرْ إِلَى سَمَاءِ رَحْمَتِكَ الَّتِي سَبَقَتِ الْوُجُودَ مِنَ الْغَيْبِ وَالشُّهُودِ. أَيْ رَبِّ نَوِّرْ قُلُوبَهُمْ بِأَنْوَارِ مَعْرِفَتِكَ وَأَبْصَارَهُمْ بِتَجَلِّياتِ شَمْسِ مَوَاهِبِكَ. أَسْأَلُكَ يَا إِلهَ الأَسْمَاءِ وَفَاطِرَ السَّمَاءِ بِالدِّمآءِ الَّتِي سُفِكَتْ فِي سَبِيلِكَ وَالرُّؤُوسِ الَّتِي ارْتَفَعَتْ عَلَى الرِّمَاحِ فِي حُبِّكَ وَبِالأَكْبَادِ الَّتِي ذَابَتْ فِي هَجْرِ أَوْلِيَائِكَ وَبِالْقُلُوبِ الَّتِي قُطِعَتْ إِرْبَاً إِرْبَاً لإِعْلاَءِ كَلِمَتِكَ بِأَنْ تَجْمَعَ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَعْتَرِفُنَّ الْكُلُّ بِوَحْدَانِيَّتِكَ وَفَرْدَانِيَّتِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْمُقْتَدِرُ الْمُتَعَالِي الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. الأَمَلُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ الْغَنِيُّ الْمُتَعَالِ بِمَشِيئَتِهِ مَا سَأَلَهُ هَذَا الْخَادِمُ الْفَانِي وَيُزَيِّنَ عِبَادَ الأَرْضِ بِطِرَازِ الْمَعْرُوفِ وُيَقَدِّسَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ الْمُنْكَرَةِ إِنَّهُ هُوَ الشَّاهِدُ الْعَلِيمُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْقَدِيرُ يَسْمَعُ وَيَرَى وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

OV