separator

سورة الملوك – حضرة بهاءالله – الواح حضرة بهاءالله الى الملوك والرؤساء، ١٤٠ بديع، الصفحات ١٠٧ – ١٣١

﴿ هُوَ الْعَزِيزُ ﴾

هَذَا كِتَابٌ مِنْ هذَا العَبْدِ الَّذِي سُمِّيَ بِالْحُسَيْنِ فِي مَلَكُوتِ الأَسْمَاءِ إِلَى مُلُوكِ الأَرْضِ كُلِّهِمْ أَجْمَعِينَ، لَعَلَّ يَنْظُرُونَ إِلَيهِ بِنَظْرَةِ الشَّفَقَةِ وَيَطَّلِعُونَ بِما فِيهِ مِنْ أَسْرارِ القَضاءِ وَيَكُونُنَّ مِنَ العارِفينَ، وَلعَلّ يَنْقَطِعُونَ عَمَّا عِنْدَهُمْ وَيَتَوَجَّهُونَ إِلى مَوَاطِنِ القُدْسِ وَيُقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ الْعَزِيزِ الجَمِيلِ.

أَنْ يَا مُلُوكَ الأَرْضِ اسْمَعُوا نِدَاءَ اللهِ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ المُثْمِرَةِ المَرْفُوعَةِ الَّتِي نَبَتَتْ عَلَى أَرْضِ كَثِيبِ الحَمْرَاءِ بَرِّيَّةِ القُدْسِ وَتَغَنُّ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزيزُ المُقْتَدِرُ الحَكِيمُ، هَذِهِ بُقْعَةٌ الَّتِي باَرَكَهَا اللهُ لِوارِدِيْهَا وَفِيهَا يُسْمَعُ نِدَاءُ اللهِ مِن سِدْرَةِ قُدْسٍ رَفِيعٍ، اتَّقُوا اللهَ يا مَعْشَرَ المُلُوكِ وَلا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْ هذَا الفَضْلِ الأَكْبَرِ فَأَلْقُوا ما فِي أَيْدِيكُم فَتَمَسَّكُوا بِعُرْوَةِ اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ وَتَوَجَّهُوا بِقُلُوبِكُم إِلى وَجْهِ اللهِ ثُمَّ اتْرُكُوا ما أَمَرَكُمْ بِهِ هَوَاكُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ الخَاسِرينَ.

أَنْ يَا عَبْدُ فَاذْكُرْ لَهُمْ نَبَأَ عَلِيٍّ إِذْ جَاءَهُم بِالحَقِّ وَمَعَهُ كِتابُ عِزٍّ حَكِيمٍ، وَفِي يَدَيْهِ حُجَّةٌ مِنَ اللهِ وَبُرهانُهُ وَدَلائِلُ قُدْسٍ كَريمٍ، وَأَنْتُم يَا أَيُّها المُلُوكُ ما تَذَكَّرْتُم بِذِكْرِ اللهِ في أَيَّامِهِ وَمَا اهْتَدَيْتُم بِأَنْوارِ الَّتِي ظَهَرَتْ وَلاحَتْ عَنْ أُفُقِ سَماءٍ مُنِيرٍ، وَمَا تَجَسَّسْتُم في أَمْرِهِ بَعْدَ الّذِي كَانَ هذا خَيْرٌ لَكُمْ عَمَّا تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْها إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الْعَالِمينَ، وَكُنْتُمْ في غَفْلَةٍ عَنْ ذلِكَ إِلَى أَنْ أَفْتَوْا عَلَيْهِ عُلَمَاءُ العَجَمِ وَقَتَلُوهُ بِالظُّلْمِ هؤُلاءِ الظَّالِمينَ، وَاستَرْقَى رُوحُهُ إِلى اللهِ وَبَكَتْ مِنْ هذا الظُّلْمِ عُيونُ أَهْلِ الفِرْدَوْسِ ثُمَّ مَلئِكَةُ الْمُقَرَّبِينَ، إِيَّاكُمْ أَنْ لا تَغْفَلُوا مِنْ بَعْدُ كَما غَفَلْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَارْجِعُوا إِلَى اللهِ بارِئِكُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ الْغافِلينَ، قُلْ قَدْ أَشْرَقَتْ شَمْسُ الوَلايَةِ وَفُصِّلَتْ نُقْطَةُ العِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَظَهَرَتْ حُجَّةُ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قُلْ قَدْ لاحَ قَمَرُ البَقاءِ في قُطْبِ السَّماءِ وَاستَضاءَتْ مِنهُ أَهْلُ مَلأ العَالينَ، وَقَدْ ظَهَرَ الوَجْهُ عَنْ خَلْفِ الحُجُباتِ وَاسْتَنارَ مِنْهُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالأَرَضِينَ، وَأَنْتُمْ ما تَوَجَّهْتُمْ إِلَيْهِ بَعدَ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ يا مَعْشَرَ السَّلاطِين، إِذاً اَتَّبِعُوا قَوْلِي ثُمَّ اسْمَعُوهِ بِقُلُوبِكُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ المُعْرِضِينَ لأَنَّ افْتِخَارَكُمْ لَمْ يَكُنْ في سَلْطَنَتِكُمْ بَلْ بِقُرْبِكُمْ إِلى اللهِ وَاتِّباعِكُمْ أَمْرَهُ فِي ما نُزِّلَ عَلَى أَلْواحِ قُدْسٍ حَفِيظٍ، وَلَوْ أَنَّ واحِداً مِنْكُمْ يَحْكُمُ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا وَكُلِّ ما فِيهَا وَعَلَيْهَا مِنْ بَحْرِها وَبَرِّها وَجَبَلِها وَسَهَلِها وَلَنْ يُذْكَرَ عِنْدَ اللهِ ما يَنْفَعُهُ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الْعارِفِينَ، وَاعْلَمُوا بِأَنَّ شَرافَةَ الْعَبْدِ في قُرْبِهِ إِلى اللهِ وَمِنْ دُونِ ذلِكَ لَنْ يَنْفَعَهُ أَبَداً وَلَوْ يَحْكُمُ عَلى الخَلائِقِ أَجْمَعِينَ، قُلْ قَدْ هَبَّتْ عَلَيْكُمْ نَسَائِمُ اللهِ عَنْ شَطْرِ الفِرْدَوسِ وَأَنْتُمْ في غَفْلَةٍ عَنْها وَكُنْتُمْ مِنَ الْغافِلينَ، وَقَدْ جَاءَتْكُمُ الهِدَايَةُ مِنَ اللهِ وَأَنْتُمْ ما اسْتَهْدَيْتُم بِها وَكُنْتُمْ مِنَ الْمُعرِضينَ، وَقَدْ أَضَاءَ سِراجُ اللهِ في مِشْكَوةِ الأَمْرِ وَأَنْتُمْ ما اَسْتَنْوَرْتُم بِهِ وَما تَقَرَّبْتُم إِلَيْهِ وَكُنْتُم عَلَى فِراشِ الغَفْلَةِ لِمَنَ الرَّاقِدينَ، إِذاً قُومُوا بِرِجلِ الاسْتِقامَةِ وَتَدارَكُوا مَا فَاتَ عَنْكُمْ ثُمَّ أَقْبِلُوا إِلى ساحَةِ القُدْسِ في شاطِئِ بَحْرٍ عَظيمٍ لِيَظْهَرَ لَكُمْ لَئَالِئُ العِلْمِ وَالحِكْمَةِ الَّتِي كَنَزَهَا اللهُ في صَدَفِ صَدْرٍ مُنيرٍ، هذا خَيْرُ النُّصْحِ لَكُمْ فاجْعَلُوهُ بِضَاعَةً لأَنْفُسِكُم لِتَكُونُنَّ مِنَ المُهْتَدينَ، إِيَّاكُمْ أَنْ لا تَمْنَعُوا عَنْ قُلُوبِكُم نَسْمَةَ اللهِ الَّتِي بِهَا تَحْيَى قُلُوبُ المُقبِلينَ، فَاسْتَمِعُوا ما أنْصَحْناكُمْ بِهِ في هذا اللَّوْحِ لَيَسْمَعَ اللهُ عَنْكُمْ وَيَفْتَحَ عَلى وُجُوهِكُم أَبْوابَ الرَّحْمَةِ وَإِنَّهُ لَهُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، اتَّقُوا اللهَ يَا أَيُّهاَ المُلُوكُ وَلا تَتَجاوَزُوا عَنْ حُدُودِ اللهِ ثُمَّ اتَّبِعُوا بِمَا أُمِرْتُمْ بِهِ في الكِتابِ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ المُتَجاوِزينَ، إِيَّاكُمْ أَنْ لا تَظْلِمُوا عَلى أَحَدٍ قَدْرَ خَرْدَلٍ وَاسْلُكُوا سَبيلَ العَدلِ وَإِنَّهُ لَسَبيلٌ مُسْتَقيمٌ، ثُمّ أَصْلِحوُا ذَاتَ بَيْنَكُم وَقَلِّلُوا فِي العَسَاكِرِ لِيَقِلَّ مَصارِفُكُمْ وَتَكُونُنَّ مِنَ المُسْتَريحينَ، وَإِنْ تَرتَفِعُوا الاخْتِلافَ بَيْنَكُمْ لَنْ تَحْتَاجُوا إِلى كَثْرَةِ الجُيُوشِ إِلَّا عَلَى قَدْرٍ الّذي تَحرُسُونَ بِها بُلدَانَكُمْ وَمَمالِكَكُمْ اتّقُوا اللهَ وَلا تُسْرِفُوا في شَيءٍ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ المُسْرِفينَ، وَعَلِمْنا بِأَنَّكُم تَزْدَادوُنَ مَصارِفَكُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَتُحَمِّلُونَها عَلَى الرَّعِيَّةِ وَهذا فَوْقَ طاقَتِهِمْ وَإِنَّ هذا لَظُلْمٌ عَظيمٌ، اعْدِلُوا يَا أَيُها المُلُوكُ بَيْنَ النَّاسِ وَكُونُوا مَظاهِرَ العَدلِ في الأَرْضِ وَهذا يَنْبَغي لَكُمْ وَيَليقُ لِشَأنِكُم لَوْ أَنْتُم مِنَ المُنْصِفينَ، إِيَّاكُمْ أَنْ لا تَظلِمُوا عَلَى الّذينَ هُمْ هاجَرُوا إِلَيْكُمْ وَدَخَلُوا في ظِلِّكُمْ اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مِنَ المُتَّقينَ، لا تَطْمَئِنُّوا بِقُدْرَتِكُم وَعَسَاكِرِكُمْ وَخَزائِنِكُم فَاطمَئِنُّوا بِاللهِ بارِئِكُمْ ثُمَّ اسْتَنْصِرُوا بِهِ في أُمُورِكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ بِجُنُودِ السَّمَواتِ وَالأَرَضينَ، ثُمَّ اعلَمُوا بِأَنَّ الفُقَراءَ أَمَانَاتُ اللهِ بَيْنَكُم إِيَّاكُم أَنْ لا تَخانُوا في أَمَانَاتِهِ وَلا تَظْلِمُوهُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ الخَائِنينَ، ستُسْئَلُونَ عَنْ أَمَانتِهِ في يَوْمِ الَّذِي تُنْصَبُ فِيهِ مِيزانُ العَدْلِ وَيُؤْتَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَيُوزَنُ فيهِ كُلُّ الأَعْمالِ مِنْ كُلِّ غَنِيٍّ وَفَقيرٍ، وَإِنْ لَنْ تَسْتَنْصِحُوا بِما أَنْصَحْناكُمْ في هذا الكِتابِ بِلِسانِ بِدْعٍ مُبينٍ يَأخُذُكُمُ العَذَابُ مِنْ كُلِّ الجِهاتِ وَيَأتِيكُمُ اللهُ بعَدْلِهِ إذاً لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَقُومُوا مَعَهُ وَتَكُونُنُّ مِنَ العَاجِزينَ، فَارْحَموُا عَلى أنفُسِكُمْ وَأنْفُسِ العِبادِ ثُمَّ احْكُمُوا بَيْنهُم بِمَا حَكَمَ اللهُ في لَوْحِ قُدْسٍ مَنيعٍ الَّذي قُدِّرَ فيهِ مَقادِيرُ كُلِّ شَيْءٍ وَفُصِّلَ فِيهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَفْصِيلاً وَذِكْرَى لِعِبادِهِ المُوقنينَ، ثُمَّ اسْتَبصِرُوا في أمْرِنا وَتَبَيَّنُوا فِي ما وَرَدَ عَلَيْنا ثُمَّ احْكُمُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أعْدائِنا بِالعَدْلِ وَكُونُوا مِنَ العادِلينَ، وَإِنْ لَنْ تَمْنَعُوا الظَّالِمَ عَنْ ظُلْمِهِ وَلَنْ تَأْخُذُوا حَقَّ المَظلُومِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَفْتَخِرُونَ بَيْنَ العِبادِ وَتَكُونُنَّ مِنَ المُفْتَخِرينَ، أَيَكُونُ افْتِخَارُكُمْ بِأَنْ تَأكُلُوا وَتَشْرَبوُا وَتَجْتَمِعُوا الزَّخَارِفَ في خَزَائِنِكُم أَوِ ٱلتَّزَيُّنَ بِأَحْجارِ الحُمرِ وَالصُّفْرِ أَوْ لُؤْلُؤٍ بيضٍ ثَمِينٍ وَلَوْ كانَ الافتِخارُ بِهذِهِ الاَشْياءِ الفَانِيةِ فَينْبَغِي لِلتُّرابِ أَنْ يفْتَخِرَ عَلَيْكُم لأَنَّهُ يَبْذُلُ وَيُنفِقُ عَلَيْكُمْ كُلَّ ذلِكَ مِنْ مُقَدِّرٍ قَديرٍ وَقَدَّرَ اللهُ كُلَّ ذلِكَ في بَطْنِهِ وَيُخْرِجُ لَكُمْ مِنْ فَضلِهِ إِذاً فانْظُرُوا في شَأْنِكُمْ وَما تَفْتَخِرُونَ بِهِ إِنْ أَنْتُم مِنَ النَّاظِرينَ، لا فَوَ الَّذي في قَبْضَتِهِ جَبرُوتُ المُمْكِناتِ لَمْ يَكُنِ الفَخْرُ لَكُمْ إِلَّا بِأَنْ تَتَّبِعُوا سُنَنَ اللهِ في أَنفُسِكُم وَلا تَدَعُوا أَحْكَامَ اللهِ بَينَكُمْ مَهجُورًا وَتَكُونُنَّ مِنَ الرّاشِدينَ.

أَنْ يا مُلُوكَ المَسِيحيَّةِ أَمَا سَمِعتُم ما نَطَقَ بِه الرُّوحُ بِأَنَّي ذَاهِبٌ وَآتٍ فَلَمّا أَتَى في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ لِمَ ما تَقَرَّبْتُم بِهِ لِتَفُوزُوا بِلِقائِهِ وَتَكُونُنَّ مِنَ الفائِزينَ، وَفِي مَقَامٍ آخَرَ يَقُولُ فإِذَا جَاءَ رُوحُ الحَقِّ الآتي فَهُو يُرْشِدُكُمْ وَإِذَا جَاءَكُمْ بِالحَقِّ ما تَوَجَّهْتُمْ إِلَيهِ وَكُنْتُم بِلَعْبِ أَنْفُسِكُمْ لَمِنَ اللَّاعِبينَ، وَما استَقْبَلْتُم إِلَيهِ وَمَا حَضَرْتُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِتَسْمَعُوا آياتِ اللهِ مِنْ لِسانهِ وَتَطَّلِعُوا بِحِكْمَةِ اللهِ العَزيزِ الحَكيمِ، وَبِذلِكَ مُنِعَتْ نَسَمَاتُ اللهِ عَنْ قُلُوبِكُم وَنَفَحَاتُ الله عَنْ فُؤادِكُمْ وَكُنْتُمْ في وَادِي الشَّهَوَاتِ لَمِنَ المُحبَرينَ، فَوَاللهِ أَنتُمْ وَما عِنْدَكُمْ سَتَفْنَى وَتُرْجَعُونَ إِلَى اللهِ وَتُسْئَلُون عَمَّا اكْتَسَبْتُمْ فِي أَيَّامِكُمْ فِي مَقَرِّ الّذي تُحْشَرُ فِيهِ الخَلائِقُ أَجْمَعينَ، أَما سَمِعْتُمْ ما ذُكِرَ فِي الإِنْجِيلِ إِنَّ الَّذينَ لَيْسُوا بِدَمٍ وَلا بِإِرَادَةِ لَحْمٍ وَلا بِمَشِيَّةِ رَجُلٍ وَلكِنْ وُلِدُوا مِنَ اللهِ أَيْ ظَهَرُوا مِنْ قُدْرَةِ اللهِ وَبذلِكَ يَثْبُتُ بِأَنْ يُمْكِنُ في الإِبْداعِ أَنْ يَظْهَرَ مَنْ يَكُونُ عَلَى حَقٍّ مِنْ عِنْدِ اللهِ المُقْتَدِرِ العَلِيمِ الحَكِيمِ، فَكَيْفَ إِذاً سَمِعْتُمْ أَمْرَنا مَا اسْتَفْسَرْتُمْ مِنّا لِيَظْهَرَ لَكُمُ الحَقُّ عَنِ البَاطِلِ وَتَطَّلِعُوا بِمَا كُنَّا عَلَيهِ وَتَعْرِفُوا مَا وَرَدَ عَلَيْنا مِنْ قَوْمِ سَوْءٍ أَخْسَرِينَ.

أَنْ يا سَفِيرَ مَلِكِ البَارِيسِ أَنَسِيتَ حُكْمَ الكَلمةِ وَمَظَاهِرَها الَّتِي سُطِرَ في الإِنْجِيلِ الَّذِي يُنسَبُ بِيُوحَنَّا وَغَفَلْتَ عَمَّا وَصَّاكَ بِهِ الرُّوُح فِي مَظاهِرِ الكَلِمةِ وَكُنْتَ مِنَ الغَافِلِينَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ كَيْفَ اتَّفَقْتَ مَعَ سَفِيرِ العَجَمِ فِي أَمْرِنا إِلى أَنْ وَرَدَ عَلَيْنَا ما احْتَرَقَتْ عَنْهُ أَكْبَادُ العَارِفِينَ، وَجَرَتِ الدُّموعُ عَلَى خُدُودِ أَهْلِ البَقاءِ وَضَجَّتْ أَفْئِدَةُ المُقرَّبِينَ، وَفَعَلْتَ ذلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْتَفْسِرَ فِي أَمْرِنَا وَتَكُونَ مِنَ المُسْتَبْصِرينَ بَعْدَ الَّذي يَنْبَغِي لَكَ بِأَنْ تَفْحَصَ فِي هَذا الأمْرِ وَتطَّلِعَ بِمَا وَرَدَ عَلَيْنَا وَتَحْكُمَ بِالعَدْلِ وَتَكُونَ مَنَ العَادِلينَ، سَتَمْضِي أَيَّامُكَ وَيَفْنَى سِفَارَتُكَ وَيَقْضِي كُلُّ مَا عِنْدَكَ وَتُسْئَلُ عَمَّا اكْتَسَبَتْ أَيْدَاكَ فِي مَحْضَرِ سُلْطَانٍ عَظِيمٍ، وَكَمْ مِنْ سُفَراءَ سَبَقُوكَ فِي الأَرْضِ وَكَانُوا أَعْظَمَ مِنْكَ شَأْنًا وَأَكْبَرَ مِنْكَ مَقَامًا وَأَكْثَرَ مِنْكَ مَالاً وَرَجَعُوا إِلى التُّرَابِ وَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ لا مِنْ اسْمٍ وَلا مِنْ رَسْمٍ وَهُمْ حينَئِذٍ عَلَى حَسْرَةٍ عَظيمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَطَ فِي جَنْبِ اللهِ وَاتَّبَعَ الشَّهَواتِ فِي نَفْسِهِ وَكَانَ فِي سُبُلِ الْبَغْيِ وَالْفَحْشَاءِ لَمِنَ السَّالِكينَ، وَمِنْهُم مَنِ اتَّبَعَ آياتِ اللهِ فِي نَفْسِهِ وَحَكَمَ بِالْعَدْلِ لِمَا سَبَقَتْهُ الهِدايَةُ مِنَ اللهِ وَكَانَ مِنَ الَّذينَ هُمْ كَانُوا فِي رَحْمَةِ رَبِّهِمْ لَمِنَ الدَّاخِلينَ، أُوصِيكَ وَالَّذينَ هُم كَانُوا أَمْثالَكَ إِيَّاكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا بأَحَدٍ كَمَا فَعَلْتُمْ بِنَا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ فِي أَنْفُسِكُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ الظَّالِمِينَ، خُذُوا مِنَ الدُّنْيا عَلَى قَدْرِ الكِفَايَةِ وَدَعُوا ما زَادَ عَلَيْكُمْ ثُمَّ انْصِفُوا في الأُمُورِ وَلا تَعْدِلُوا عَنْ حُكْمِ الْعَدْلِ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ العَادِلِينَ.

أَنْ يَا أَيُّهَا الْمُلُوكُ قَدْ قَضَتْ عِشْرينَ مِنَ السِّنِينَ وَكُنّا فِي كُلِّ يَوُمٍ مِنْها فِي بَلاءٍ جَديدٍ وَوَرَدَ عَلَيْنَا مَا لا وَرَدَ عَلَى أَحَدٍ قَبلَنا إِنْ أَنْتُمْ مِنَ السَّامِعِينَ، بِحَيْثُ قَتَلُونا وَسَفَكُوا دِمَاءَنا وَأَخَذُوا أَمْوَالَنَا وَهَتَكُوا حُرْمَتَنَا وَأَنْتُمْ سَمِعْتُمْ أَكْثَرَهَا وَمَا كُنْتُمْ مِنَ المَانِعِينَ، بَعدَ الَّذي يَنْبَغِي لَكُمْ بِأَنْ تَمْنَعُوا الظّالِمَ عَنْ ظُلْمِهِ وَتَحْكُمُوا بَيْنَ النَّاسِ بِالعَدْلِ لِيَظْهَرَ عَدالَتُكُمْ بَيْنَ الخَلائِقِ أَجْمَعِينَ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَوَدَعَ زِمَامَ الخَلْقِ بأَيْديكُمْ لِتَحْكُمُوا بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَتَأْخُذُوا حَقَّ الْمَظْلُوُمِ عَنْ هَؤُلاءِ الظَّالِمينَ، وَإِنْ لَنْ تَفْعَلُوا بِمَا أُمِرْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ لَنْ يُذْكَر أَسْماؤُكُمْ عِندَهُ بِالعَدْلِ وَإِنَّ هذا لَغَبْنٌ عَظِيمٌ، أَتَأْخُذُونَ حُكْمَ أَنْفُسِكُمْ وَتَدَعُونَ حُكْمَ اللهِ العَلِيِّ المُتَعَالِي القَادِرِ الْقَدِيرِ، دَعُوا ما عِنْدَكُمْ وَخُذُوا مَا أَمَرَكُمُ اللهُ بِهِ ثُمَّ ابْتَغُوا الفَضْلَ مِنْ عِنْدِهِ وَإِنَّ هذا لَسَبيلٌ مُستَقيمٌ ثُمَّ التَفِتُوا إِلَيْنَا وَبِمَا مَسَّتْنَا الْبَأَسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَلا تَغْفَلُوا عَنَّا فِي أَقَلَّ مِنْ آنٍ ثُمَّ اَحْكُمُوا بَيْنَنا وَبَيْنَ أَعْدائِنا بِالْعَدْلِ وَإِنَّ هذا لَخَيْرٌ مُبينٌ، كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكُمْ مِنْ قِصَصِنَا وَبِما قَضَى عَلَيْنَا لِتَكْشِفُوا عَنَّا السُّوءَ فَمَنْ شاءَ فَلْيَكْشِفْ وَمَنْ لَمْ يَشَأْ إِنَّ رَبِّي لَخَيرُ ناصِرٍ وَمُعينٍ.

أَنْ يَا عَبْدُ ذَكِّرِ العِبَادَ بِمَا أَلقَيناكَ وَلَا تَخَفْ مِنْ أَحَدٍ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرينَ، فَسَوْفَ يَرْفَعُ اللهُ أَمْرَهُ وَيَعْلُو بُرهانُهُ بَيْنَ السَّمَواتِ وَالأَرَضينَ، فَتَوَكَّلْ في كُلِّ الأُمُورِ عَلى رَبِّكَ وَتَوجَّهْ إِلَيْهِ ثُمَّ أَعْرِضْ عَنِ المُنْكِرينَ، فَاكْفِ بِاللهِ رَبِّكَ ناصِرًا وَمُعين إِنّا كَتَبْنا عَلَى نَفسِنا نَصْرَكَ في المُلكِ وَارتِفاعَ أَمْرِنا وَلَوْ لَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْكَ أَحَدٌ مِنَ السَّلاطِينِ، ثُمَّ ذَكِّرْ حِينَ الَّذِي وَرَدْتَ فِي الْمَدينَةِ وَظَنُّوا وُكَلاءُ السُّلْطانِ بِأَنَّكَ لَنْ تَعْرِفَ أُصُولَهُمْ وَتَكُونُ مِنَ الجَاهِلينَ، قُلْ أَيْ وَرَبِّي لا أَعْلَمُ حَرْفًا إلاّ ما عَلَّمني اللهُ بِجُودِهِ وَإِنَّا نُقِّرُ بِذلِكَ وَنَكُونُ مِنَ الْمُقِرِّينَ، قُلْ إِنْ كانَ أُصُولُكُم مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُم لَنْ نَتَّبِعَها أَبَدًا وَبذلِكَ أُمِرْتُ مِنْ لَدُنْ حَكيمٍ خَبيرٍ وَكَذلِكَ كُنْتُ مِنْ قَبْلُ وَنَكُونُ مِن بَعْدُ بحَوُلِ اللهِ وَقُوَّتهِ وَإِنَّ هذا لَصِرَاطُ حَقٍّ مُستقيمٍ، وَإِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَأتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، قُلْ إِنَّا أَثْبَتْنَا كُلَّ مَا ظَنُّوا فِيكَ وَعَمِلُوا بِكَ في كِتابٍ الَّذِي لَنْ يُغادَرَ فِيهِ حَرْفٌ مِنْ عَمَلِ العَامِلينَ.

قُلْ يَا أَيُّها الوُكَلاءُ يَنْبَغِي لَكُمْ بِأَنْ تَتَّبِعُوا أُصوُلَ اللهِ في أَنفُسِكُم وَتَدَعُوا أُصُولَكُمْ وَتَكُونُنَّ مِنَ المُهْتَدِينَ، وَهذا خَيْرٌ لَكُمْ عَمَّا عِنْدَكُمْ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ العَارِفِينَ، وَإِنْ لَنْ تَتَّبِعُوا اللهَ فِي أَمْرِهِ لَنْ يُقْبَلَ أَعْمالُكُمْ عَلَى قَدْرِ نَقِيرٍ وَقَطْمِيرٍ، فَسَوْفَ تَجِدُونَ مَا اكْتَسَبْتُمْ فِي الحَيَوةِ البَاطِلَةِ وَتُجْزَوْنَ بِمَا عَمِلْتُمْ فِيهَا وَإِنَّ هذا لَصِدْقٌ يَقِينٌ، فَكَمْ مِنْ عِبَادٍ عَمِلُوا كَمَا عَمِلْتُم وَكَانُوا أَعْظَمَ مِنْكُمْ وَرَجَعُوا كُلُّهُمْ إِلى التُّرَابِ وَقُضِيَ عَلَيْهِمْ ما قُضِيَ إِنْ أَنْتُمْ فِي أَمْرِ اللهِ لَمِنَ المُتَفَكِرينَ، وَسَتَلْحَقُونَ بِهم وَتَدْخُلُونَ بَيْتَ الَّتِي لَنْ تَجِدُوا فِيهَا لأَنْفُسِكُمْ لا مِنْ نَصِيرٍ وَلا مِنْ حَمِيمٍ، وَتُسْئَلُونَ عَمَّا فَعَلْتُم فِي أَيَّامِكُم وَفَرَّطْتُمْ في أَمْرِ اللهِ وَاسْتَكْبَرْتُمْ عَلَى أَوْلِيَائِهِ بَعْدَ الَّذي وَرَدُوا عَلَيْكُمْ بِصِدْقٍ مُبينٍ، وَأَنْتُمْ شَاوَرْتُمْ فِي أَمْرِهِمْ وَأَخَذْتُمْ حُكْمَ أَنْفُسِكُمْ وَتَرَكْتُمْ حُكْمَ الله الْمُهَيْمِنِ القَدِيرِ، قُلْ أَتَأْخُذُونَ أُصُولَكُمْ وَتَضَعُونَ أُصُولَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَإِنَّ هذا لَظُلْمٌ عَلى أَنْفُسِكُمْ وَأَنْفُسِ الْعِبَادِ لَوْ تَكُونُنَّ مِنَ العَارِفينَ، قُلْ إِنْ كَانَ أُصُولُكُمْ عَلَى الْعَدْلِ فَكَيْفَ تَأخُذُونَ مِنْها ما تَهْوى بِهِ هَواكُمْ وَتَدَعُونَ ما كَانَ مُخَالِفًا لأَنْفُسِكُمْ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَكُونُنَّ مِنَ الْحَاكِمينَ، أَكَانَ مِنْ أُصُولِكُمْ بِأَنْ تُعَذِّبُوا الّذي جَاءَكُمْ بِأَمْرِكُمْ وَتخْذُلُوهُ وَتُؤْذُوهُ فِي كُلِّ يَومٍ بِعْدَ الّذي مَا عَصَاكُمْ فِي أَقَلَّ مِنْ آنٍ وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ كُلُّ مَنْ سَكَنَ في الْعِرَاقِ وَمِنْ وَرَائِهِ كُلُّ ذِي عِلْمٍ عَلِيْمٍ، فَأنْصِفُوا فِي أَنْفُسِكُمْ يَا أَيُّهَا الْوُكَلاءُ بِأَيِّ ذَنْبٍ أَطْرَدْتُمُونا وَبأَيِّ جُرْمٍ أَخْرَجْتُمُونَا بَعْدَ الَّذي اسْتَجَرْنَاكُم وَمَا أَجَرْتُمُونَا فَوَاللهِ هذا لظُلْمٌ عَظيمٌ الّذي لَنْ يُقاسَ بِظُلْمٍ فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلى ما أَقُولُ شَهِيد، هَلْ خَالَفْتُكُم فِي أَمْرِكُمْ أَوْ بِالْوُزَرَاءِ الّذيْنَ كَانُوا أَنْ يَحْكُمُوا فِي العِرَاقِ فَاسْئَلُوا عَنْهُمْ لِتَكُونُنَّ عَلَى بَصِيرةٍ فِينَا وَتَكُونُنَّ مِنَ العَالِمينَ، هَلْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ بِشِكَايَةٍ مِنَّا أَوْ سَمِعَ مِنَّا أَحَدٌ مِنْهُم غَيْرَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ فِي الْكِتَابِ فَأتُوا بِهِ لِنُصَدِّقَكُمْ في أَفْعَالِكُمْ وَنَكُونُنَّ مِنَ المُذْعِنينَ، وَإِنْ كُنْتُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِنَا بِأُصُولِكُمْ فَيَنْبَغِي لَكُمْ بِأَنْ تُوَقِّرُونَا وَتُعَزِّرُوا الّذي سَمِعَ أَمْرَكُمْ وَاتَّبَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ عِنْدِكُمْ ثُمَّ تُؤَدُّوا دُيُونَ الَّتِي تَدَيَّنَّا بِهَا فِي العِرَاقِ وَصَرَفْنَاها في هَذا السَّبِيلِ ثُمَّ اسْتَمِعُوا مِنَّا مَطَالِبَنَا وَكُلَّ مَا وَرَدَ عَلَيْنَا وَتحْكُمُونَ بِالْعَدْلِ كَمَا تَحْكُمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُم وَلَنْ تَرْضَوْا لَنَا مَا لا تَرْضَوْنَهُ لَكُمْ وَتَكُونُنَّ مِنَ المُحْسِنينَ، فَوَالله مَا عَامَلْتُمْ بِنَا لا بِأُصُولِكُمْ وَلا بِأُصُولِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بَلْ بِمَا سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ وَهَواكُمْ يا مَلأَ الْمُعْرِضينَ وَالمُستَكْبِرينَ.

أَنْ يَا طَيرَ القُدسِ طِرْ فِي فَضاءِ الأُنْسِ ثُمَّ ذَكِّرِ العِبَادَ بِما أَرَيْنَاكَ في لُجَجِ البَقَاءِ وَرَاءَ جَبَلِ الْعِزِّ وَلا تَخَفْ مِنْ أَحَدٍ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ الْعَزيزِ الْجَميلِ، إِنَّا نَحْرُسُكَ عَنِ اَلّذينَ هُم ظَلَمُوكَ مِنْ دُونِ بَيِّنَةٍ مِنَ اللهِ وَلا كِتابٍ مُنيرٍ، قُلْ تَاللهِ يا مَلأَ الغُفَلاءِ مَا جِئْنَاكُمْ لِنُفْسِدَ في أَرْضِكُمْ وَنَكُونَ فِيها لَمِنَ المُفْسِدينَ، بَلْ جِئْنَاكُمْ لِنَتَّبِعَ أَمْرَ السُّلْطَانِ وَنَرْفَعَ أَمْرَكُمْ وَنُعَلِّمَكُمُ الْحِكْمَةَ وَنُذَكِّرَكُمْ في ما نَسِيتُمْ بِقَوْلِهِ الْحَقِّ فَذَكِّرْ إِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنينَ، وَأَنْتُمْ ما سَمِعْتُمْ نَغَمَاتِ الرُّوحِ وَسَمِعْتُمْ غَيْرَ مَسْمَعٍ عَنْ أَعدائِنا الّذينَ لا يتَكلَّمُونَ إِلَّا بِمَا يؤَيِّدُهُمْ هَواهُمْ وَزَيَّنَ الشَّيْطَانُ لَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَكَانُوا مِنَ الْمُفْتَرينَ، أَمَا سَمِعْتُمْ ما نُزِّلَ فِي كِتابِ عِزٍّ مُبِينٍ فَإِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنوُا فَلِمَ نَبَذْتُم حُكْمَ اللهِ وَرَاءَكُمْ وَاتَّبَعْتُمْ سُبُلَ المُفْسِدينَ، وَسَمِعْنَا بِأَنَّ مِنَ المُفْتَرينَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ هذَا العَبْدَ كانَ أَنْ يَأْكُلُ الرِّبوا فِي العِراقِ وَيَجْمَعُ الزّخارِفَ لِنَفسِهِ قُلْ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ فِي ما لَيسَ لَكُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَتَفْتَرُونَ عَلَى العِبَادِ وَتَظُنُّونَ ظَنَّ الشَّياطِينِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذلِكَ بَعْدَ الَّذي أَنْهَى الله عَنْهُ عِبادَهُ فِي كِتابِ قُدْسٍ حَفيظٍ الّذي نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَجَعَلَهُ حُجَّةً بَاقِيةً مِنْ عِنْدِهِ وَهُدَى وَذِكْرى لِلْعَالَمِينَ، وَهذِهِ واحِدَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي خالَفْنَا فِيهَا عُلَمَاءَ العَجَمِ وَنَهَيْنَا العِبَادَ عَنْ ذلِك بِحُكْمِ الْكِتَابِ وَكَانَ اللهُ عَلَى مَا أَقُولُ شَهيد، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ وَلكِنْ نُلْقِي عَلَيْكُمُ الحَقَّ لِتَطَّلِعُوا بِهِ وَتَكُونُنَّ فِيهَا لَمِنَ الْمُتَّقِينَ، إِيَّاكُمْ أَنْ لا تَسْمَعُوا أَقْوالَ الَّذِينَ تَجِدُونَ مِنْهُمْ رَوائِحَ الْغِلِّ وَالنِّفَاقِ وَلا تَلْتَفِتُوا إِلى هؤلاءِ وَكُونُوا مِنَ الزَّاهِدينَ، فَاعْلُموا بِأَنَّ الدُّنْيا وَزينَتَها وَزُخْرُفَهَا سَيَفْنَى وَيَبْقَى المُلْكُ للهِ المَلِكِ المُهَيمِنِ العَزيزِ القَدِيرِ، سَتَمضي أَيَّامُكُمْ وَكُلُّ ما اَنْتُم تَشتَغِلُونَ بِهِ وَبِهِ تَفْتَخِرُونَ عَلَى النَّاسِ وَيَحْضُرُكُمْ مَلائكَةُ الأَمْرِ عَلَى مَقَرِّ الّذي تَرْجُفُ فِيهِ أَرْكَانُ الخَلائِقِ وَتَقْشَعِرُّ فيهِ جُلُودُ الظَّالِمِينَ، وَتُسْئَلُونَ عَمَّا اكْتَسَبْتُمْ في الحَيَاةِ الباطِلَةِ وَتُجْزَوْنَ بِمَا فَعَلْتُمْ وَهَذا مِنْ يَوْمِ الّذي يَأْتِيكُمْ وَالسَّاعَةِ الَّتِي لا مَرَدَّ لَهَا وَشَهِدَ بِذلِك لِسَانُ صِدْقٍ عَلِيمٍ.

أَنْ يا مَلأَ المَدِينَةِ اتَّقُوا اللهَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَلا تَتَّبِعُوا الشَّيْطَانَ ثُمَّ اتَّبِعُوا الحَقَّ فِي هذِهِ الأَيَّامِ القَلِيلِ، سَتَمْضِي أيَّامُكُم كَمَا مَضَتْ عَلَى الَّذينَ هُم كانُوا قَبْلَكُمْ وَتُرْجَعُونَ عَلَى التُّرابِ كَمَا رَجَعُوا إِلَيهِ آباؤُكُمْ وَكَانُوا مِنَ الرَّاجِعِينَ، ثُمَّ اعْلَمُوا بِأَنَّا مَا نَخَافُ مِنْ أحَدٍ إِلَّا اللهَ وَحْدَهُ وَمَا تَوَكُلِي إِلَّا عَلَيْهِ وَمَا اعْتِصَامِي إِلَّا بِهِ وَمَا نُرِيدُ إِلَّا مَا أَرَادَ لَنَا وَإِنَّ هذا لَهُوَ المُرادُ لَوْ أَنْتُمْ مِنَ العَارِفِينَ، إِنِّي أَنْفَقْتُ رُوحِي وَجَسَدِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مَنْ عَرَفَ اللهَ لَنْ يَعْرِفَ دُونَهُ وَمَنْ خافَ اللهَ لَنْ يَخَافَ سِوَاهُ وَلَوْ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ فِي الأَرْضِ أَجْمَعِينَ، وَمَا نَقُولُ إِلَّا بِمَا أُمِرْتُ وَمَا نَتَّبِعُ إِلَّا الحَقَّ بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتهِ وَإِنَّهُ يَجْزِي الصَّادِقِينَ، ثُمَّ اذْكُرْ يا عَبْدُ مَا رَأَيْتَ فِي المَدينَةِ حِينَ وُرُودِكَ لِيَبْقَى ذِكْرُهَا فِي الأَرْضِ وَيَكُونَ ذِكْرَى لِلْمُؤْمِنينَ، فَلَمَّا وَرَدْنَا المَدِينَةَ وَجَدْنَا رُؤَسَاءَهَا كَالأَطْفَالِ الَّذينَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى الطِّينِ لِيَلْعَبوا بِهِ وَمَا وَجَدْنَا مِنهُمْ مِنْ بالغٍ لِنُعَلِّمَهُ مَا عَلَّمَنِي اللهُ وَنُلْقِي عَلَيْهِ مِنْ كَلِمَاتِ حِكْمَةٍ مَنِيعٍ، وَلِذَا بَكَيْنَا عَلَيْهِمْ بِعُيُونِ السِّرِّ لارْتِكَابِهِمْ بِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِغْفَالِهِم عَمَّا خُلِقُوا لَهُ وَهذا مَا أَشْهَدْنَاهُ فِي المَدِينَةِ وَأَثْبَتْنَاهُ فِي الكِتَابِ لِيَكُونَ تَذْكِرَةً لَهُمْ وَذِكْرَى لِلآخَرِين، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الدُّنْيَا وَزُخْرُفَهَا يَنْبَغِي لَكُمْ بِأَنْ تَطْلُبُوهَا فِي الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لأَنَّ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فِي كُلِّ آنٍ تَقَرَّبْتُمْ إِلى الدُّنْيَا وَتَبَعَّدْتُمْ عَنْهَا إِنْ كُنْتُمْ مِنَ العَاقِلينَ، فَلَمَّا وُلِدْتُمْ وَبَلَغَ أَشُدَّكُمْ إِذًا تَبَعَّدْتُمْ عَنِ الدُّنْيَا وَتَقَرَّبْتُمْ إِلى التُّرَابِ فَكَيْفَ تَحْرِصُونَ فِي جَمْعِ الزَّخَارِفِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بَعْدَ الَّذي فَاتَ الوَقْتُ عَنْكُم وَمَضَتِ الفُرْصَةُ فَتَنَبَّهُوا يَا مَلأَ الغَافِلِينَ، اسْمَعُوا مَا يَنْصَحُكُمْ بِهِ هذَا العَبْدُ لِوَجْهِ اللهِ وَمَا يُرِيدُ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ وَرَضِيَ بِمَا قَضَى اللهُّ لَهُ وَيَكُونُ مِنَ الرَّاضِينَ، يَا قَوْمُ قَدْ مَضَتْ مِنْ أَيَّامِكُمْ أكْثَرُهَا وَمَا بَقَتْ إلاّ أَيَّامٌ مَعْدُودَةٌ إِذًا دَعُوا مَا أَخَذْتُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ثُمَّ خُذُوا أَحْكَامَ اللهِ بِقُوَّةٍ لَعَلَّ تَصِلُونَ إِلَى مَا أَرَادَ اللهُ لَكُمْ وَتَكُونُنَّ مِنَ الرَّاشِدِينَ، وَلا تَفْرَحُوا بِمَا أُوتِيتُمْ مِنْ زِينَةِ الأَرْضِ وَلا تَعْتَمِدُوا عَلَيْهَا فَاعْتَمِدُوا بِذِكْرِ اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فَسَوْفَ يُفْنِي اللهُ مَا عِنْدَكُمْ اتَّقُوا اللهَ وَلا تَنَسَوْا عَهْدَ اللهِ فِي أَنْفُسِكُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ الْمُحْتَجِبينَ، إِيَّاكُمْ أَنْ لا تَسْتَكْبِرُوا عَلَى اللهِ وَأَحِبَّائِهِ ثُمَّ اخْفِضُوا جَناحَكُمْ لِلمُؤْمِنِينَ الّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَآياتِهِ وَتَشْهَدُ قُلُوبُهُم بِوَحْدانِيَّتِهِ وَأَلْسِنَتُهُمْ بِفَرْدَانِيَّتِهِ وَلا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِهِ كَذلِكَ نَنْصَحُكُمْ بِالْعَدلِ وَنُذَكِّرُكُمْ بِالحَقِّ لَعَلَّ تَكُونُنَّ مِنَ المُتَذَكِرينَ، وَلا تَحْمِلُوا عَلَى النَّاسِ مَا لا تَحْمِلُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُم وَلَنْ تَرْضَوا لأَحَدٍ مَا لا تَرْضَوْنَهُ لَكُمْ وَهَذا خَيْرُ النُّصْحِ لَوْ أَنْتُمْ مِنَ السَّامِعِينَ، ثُمَّ احْتَرِمُوا العُلَمَاءِ بَيْنَكُمُ الَّذينَ يَفْعَلُونَ مَا عَلِمُوا وَيَتَّبِعُونَ حُدُودَ اللهِ وَيَحْكُمُونَ بِمَا حَكَمَ اللهُ فِي الكِتَابِ فَاعْلَمُوا بِأَنَّهُمْ سُرُجُ الهِدَايَةِ بَيْنَ السَّمواتِ وَالأَرَضِينَ، إِنَّ الّذينَ لَنْ تَجِدُوا لِلْعُلَمَاءِ بَيْنَهُمْ مِنْ شَأْنٍ وَلا مِنْ قَدْرٍ أُولئِكَ غَيَّرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ قُلْ فَارْتَقِبُوا حَتّى يُغَيِّرَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِنْ شَيْءٍ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَإِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَلا تَفْرَحُوا بِمَا فَعَلْتُمْ أَوْ تَفْعَلُونَ وَلا بِمَا وَرَدْتُمْ عَلَيْنَا لأَنَّ بِذَلِكَ لَنْ يَزْدَادَ شَأْنُكُمْ لَوْ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ فِي أَعْمَالِكُمْ بِعَيْنِ اليَقِينِ، وَكَذلِكَ لَنْ يَنْقُصَ عَنّا مِنْ شَيْءٍ بَلْ يَزِيدُ اللهُ أَجْرَنَا بِمَا صَبَرْنَا فِي البَلايَا وَإِنَّهُ يَزِيدُ أَجْرَ الصَّابِرينَ، فَاعْلَمُوا بِأَنَّ البَلايَا وَالمِحَنَ لَمْ يَزَلْ كَانَتْ مُوكَلَةً لأَصْفِيَاءِ اللهِ وَأَحِبَّائِهِ ثُمَّ لِعِبَادِهِ المُنْقَطِعِينَ الَّذِينَ لا تُلهِيهِمُ التِّجَارَةُ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَلا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ لَمِنَ العَامِلِينَ، كَذَلِكَ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ مِنْ قَبْلُ وَيَجْرِي مِنْ بَعْدُ فَطُوبَى لِلصَّابِرينَ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَلَنْ يَجْزَعُوا مِنْ شَيْءٍ وَكَانُوا عَلَى مَنَاهِجِ الصَّبْرِ لَمِنَ السَّالِكينَ، وَلَيْسَ مَا وَرَدَ عَلَيْنَا أَوَّلَ قَارُورَةٍ كُسِرَتْ فِي الإِسْلامِ وَلَيْسَ هذا أَوَّلَ مَا مَكَرُوا بِهِ عَلَى أَحِبَّاءِ اللهِ هَؤُلاءِ المَاكِرينَ، وَوَرَدَ عَلَيْنَا بِمِثْلِ مَا وَرَدَ عَلَى الحُسَيْن مِنْ قَبْلُ إِذْ جَاءَهُ المُرْسَلُونَ مِنْ لَدَى المَاكِرِينَ الَّذينَ كَانَ فِي قُلُوبِهمُ الغِلُّ وَالبَغْضَاءُ وَطَلَبُوهُ عَنِ المَدِينَةِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِأَهْلِهِ قَامُوا عَلَيْهِ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِلَى أَنْ قَتَلُوهُ وَقَتَلُوا أَوْلادَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَسَارُوا أَهْلَهُ وَكَذَلِكَ قُضِيَ مِنْ قَبْلُ وَاللهُ عَلَى مَا أَقُولُ شَهِيدٌ، وَمَا بَقَتْ مِنْ ذُرِّيَتِهِ لا مِنْ صَغِيرٍ وَلا مِنْ كَبِيرٍ إِلَّا الَّذِي سُمِّيَ بِعَلِيٍّ الأوسَطِ وَلُقِّبَ بِزَيْنِ العَابِدِينَ، فَانْظُرُوا يَا مَلأَ الغُفَلاءِ كَيْفَ اشْتَعَلَتْ نَارُ مَحَبَّةِ اللهِ فِي صَدْرِ الحُسَيْنِ مِنْ قَبْلُ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ المُتَفَرِّسِينَ، وَزَادَتْ هَذهِ النَّارُ إِلَى أَنْ أَخَذَ الشَّوْقُ وَالاشْتِيَاقُ عَنْهُ زِمَامَ الاصْطِبارِ وَأَخَذَهُ جَذْبُ الجَبَّارِ وَبَلَّغَهُ إِلَى مَقَامِ الَّذِي أَنْفَقَ رُوحَهُ وَنَفْسَهُ وَكُلَّ مَا لَهُ وَمَعَهُ للّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَوَاللهِ هَذَا المَقَامُ عِنْدَهُ لأَحْلَى عِنْ مُلْكِ السَّمَواتِ وَالأَرَضِينَ، لأَنَّ العَاشِقَ لَنْ يُرِيدَ إِلَّا مَعْشُوقَهُ وَكَذلِكَ الطَّالِبُ مَطْلُوبَهُ وَالحَبِيبُ مَحْبُوبَهُ وَاشْتِياقُهُمْ إِلَى اللِّقَاءِ كَاشْتِيَاقِ الجَسَدِ إِلَى الرُّوحِ بَلْ أَزْيَدُ مِنْ ذَلك إِنْ أَنْتُمْ مِنَ العَارِفِينَ، قُلْ حِينَئِذٍ اشْتَعَلَتِ النَّارُ فِي صَدْرِي وَيُرِيدُ أَنْ يَفْدِيَ هَذَا الحُسَيْنُ نَفْسَهُ كَمَا فَدَى الحُسَيْنُ رَجَاءً لِهَذَا المَقَامِ المُتَعَالِي العَظِيمِ، وَهَذَا مَقَامُ فَنَاءِ العَبْدِ عَنْ نَفْسِهِ وَبَقَائِهِ بِاللهِ المُقْتَدِرِ العَلِيِّ الكَبِيرِ، وَإِنِّي لَوْ أُلْقِي عَلَيْكُمْ مِنْ أَسْرَارِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللهُ فِي هَذَا المَقَامِ لَتَفْدُونَ أَنْفُسَكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَتَنْقَطِعُونَ عَنْ أَمْوَالِكُمْ وَكُلِّ مَا عِنْدَكُمْ لِتَصِلُوا إِلَى هَذَا المَقَامِ الأَعَزِّ الكَرِيمِ، وَلكِنْ ضَرَبَ اللهُ عَلَى قُلُوبِكُمْ أَكِنَّةً وَعَلَى أَبْصَارِكُمْ غِشَاوَةً لِئَلاَّ تَعْرِفونَ أَسْرَارَ اللهِ وَلا تَكُونُنَّ بِهَا لَمِنَ المُطَّلِعِينَ، قُلْ إِنَّ اشْتِيَاقَ المُخْلِصِينَ إِلَى جِوَارِ اللهِ كَاشْتِيَاقِ الرَّضِيعِ إِلَى ثَدْيِ أُمِّهِ بَلْ أَزْيَدُ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ العَارِفِينَ، أَوْ كَاشْتِيَاقِ الظَّمْآنِ إِلَى فُرَاتِ العِنَايَةِ أَوِ العَاصِي إِلَى الغُفْرانِ كَذَلِكَ نُبَيِّنُ لَكُمْ أَسْرَارَ الأَمْرِ وَنُلْقِي عَلَيْكُم مَا يُغْنِيكُمْ عَمَّا اشْتَغَلْتُمْ بِهِ لَعَلَّ أَنْتُم إِلَى شَطْرِ القُدْسِ فِي هَذَا الرِّضْوانِ لِتَكُونُنَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ، فَوَاللهِ مَنْ دَخَلَ فِيهِ لَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ وَمَنِ الْتَفَتَ إِلَيْهِ لَنْ يُحَوِّلَ الوَجْهَ عَنْ تِلْقَائِهِ وَلَوْ يُضْرَبُ بِسُيُوفِ المُنْكِرِينَ وَالمُشْرِكِينَ، كَذَلِكَ أَلْقَيْنَا عَلَيْكُمْ مَا قُضِيَ عَلَى الحُسَيْنِ وَنَسْئَلُ اللهَ بِأَنْ يَقْضِيَ عَلَيْنَا كَمَا قَضَى عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَجَوَّادٌ كَرِيمٌ، تَاللهِ هَبَّتْ مِنْ فِعْلِهِ رَوَايحُ القُدْسِ عَلَى العَالَمِينَ، وَتَمَّتْ حُجَّةُ اللهِ وَظَهَر بُرْهَانُهُ عَلَى الخَلائِقِ أَجْمَعِينَ، وَبَعَثَ اللهُ بَعْدَهُ قَوْمًا أَخَذُوا ثَأْرَهُ وَقَتَلُوا أَعْدَاءَهُ وَبَكَوْا عَلَيْهِ فِي كلِّ بُكُورٍ وَأَصِيلٍ، قُلْ إِنَّ اللهَ قَدَّرَ فِي الكِتَابِ بِأَنْ يَأْخُذَ الظَّالِمينَ بِظُلْمِهِمْ وَيَقْطَعَ دابِرَ المُفْسِدينَ، فَاعْلَمُوا بِأَنَّ لِمِثْلِ هذِهِ الأَفْعَالِ بِنَفْسِهَا أَثَرًا فِي المُلْكِ وَلَنْ يَعْرِفَهُ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ فَتَحَ اللهُ عَيْنَهُ وَكَشَفَ السُّبُحَاتِ عَنْ قَلْبِهِ وَجَعَلَهُ مِنَ المُهْتَدِينَ، فَسَوْفَ يُظْهِرُ اللهُ قَوْمًا يَذْكُرُونَ أَيَّامَنا وَكُلَّ مَا وَرَدَ عَلَيْنَا وَيَطْلُبُونَ حَقَّنَا عَنِ الّذينَ هُمْ ظَلَمُونَا بِغَيْرِ جُرْمٍ وَلا ذَنْبٍ مُبِينٍ وَمِنْ وَرَائِهِمْ كَانَ اللهُ قَائِمًا عَلَيْهِمْ وَيَشْهَدُ مَا فَعَلُوا وَيَأْخُذُهُمْ بِذَنْبِهِمْ وَإِنَّهُ أَشَدُّ المُنْتَقِمِينَ، وَكَذلِكَ قَصَصْنا لَكُمْ مِنْ قِصَصِ الحَقِّ وَأَلْقَيْنَاكُمْ مَا قَضَى اللهُ مِنْ قَبْلُ لَعَلَّ تَتُوبُونَ إِلَيْهِ فِي أَنْفُسِكُمْ وَتَرْجِعُونَ إِلَيْهِ وَتَكُونُنَّ مِنَ الرَّاجِعِينَ، وَتَتَنَبَّهُونَ فِي أَفْعَالِكُمْ وَتَسْتَيْقِظُونَ عَنْ نَوْمِكُمْ وَغَفْلَتِكُمْ وَتَدَّارَكُونَ مَا فَاتَ عَنْكُمْ وَتَكُونُنَّ مِنَ المَحْسِنينَ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْبَلْ قَوْلِي وَمَنْ شَاءَ فَلْيُعْرِضْ وَمَا عَلَيَّ إِلَّا بِأَنْ أُذَكِّرَكُمْ فِيمَا فَرَّطتُمْ فِي أَمْرِ اللهِ لَعَلَّ تَكُونُنَّ مِنَ المُتَذَكِّرِينَ، إِذًا فَاسْمَعُوا قَوْلِي ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى اللهِ وَتُوبُوا إِلَيْهِ لِيَرْحَمَكُمُ اللهُ بِفَضْلِهِ وَيَغْفِرَ خَطَايَاكُمْ وَيَعْفُوَ جَرِيرَاتِكُمْ وَإِنَّهُ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ وَأَحَاطَ فَضْلُهُ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي قُمُصِ الوُجُودِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ.

يَا مَلأَ الوُكَلاءِ أَظَنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ بِأَنَّا جِئْنَاكُمْ لِنَأْخُذَ مَا عِنْدَكُمْ مِنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا لا فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ بَلْ لِتَعْلَمُوا بِأَنّا مَا نُخَالِفُ السُّلْطَانَ فِي أَمْرِهِ وَمَا نَكُونُ مِنَ العَاصِينَ، فَاعْلَمُوا وَأَيْقِنُوا بِأَنَّ كُلَّ خَزَائِنِ الأَرْضِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهَا مِنْ جَوَاهِرِ عِزٍّ ثَمِينٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ اللهِ وَأَوْلِيائِهِ وَأَحِبَّائِهِ إِلَّا كَكَفٍّ مِنَ الطِّينِ، لأَنَّ كُلَّ مَا عَلَيْهَا سَيَفْنَى وَيَبْقَى المُلْكُ للهِ المُقْتَدِرِ الجَمِيلِ، وَمَا يَفْنَى لَنْ يَنْفَعَنَا وَلا إِيَّاكُمْ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ المُتَفَكِّرِينَ، فَوَاللهِ مَا نَكْذِبُ فِي القَوْلِ وَمَا نَتَكَلَّمُ إِلَّا بِمَا أُمِرْتُ وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ هذَا الكِتَابُ بِنَفْسِهِ إِنْ أَنْتُمْ بِمَا ذُكِرَ فِيه لَمِنَ المُتَذَكِّرِينَ، وَأَنْتُمْ لا تَتَّبِعُوا هَواكُمْ وَلا بِمَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أَنْفُسِكُمْ فَاَتَّبِعُوا أَمْرَ اللهِ فِي ظَاهِرِكُمْ وَبَاطِنِكُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ، هَذا خَيْرٌ لَكُمْ عَنْ كُلِّ مَا اجْتَمَعْتُمُوهُ فِي بُيُوتِكُمْ وَتَطْلُبُونَهُ فِي كُلِّ بُكُورٍ وَعَشِيٍّ، سَتَفْنَى الدُّنْيَا وَمَا أَنْتُمْ بِهِ تُسَرُّونَ فِي قُلُوبِكُمْ وَتَفْتَخِرونَ بِهِ بَيْنَ الخَلائِقِ أَجْمَعِينَ، طَهِّرُوا مِرْآةَ قُلُوبِكُمْ عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لِتَنْطَبِعَ فِيهَا أَنْوَارُ تَجَلِّي اللهِ وَهذا مَا يُغْنِيكُمْ عَمّا سِوَى اللهِ وَيُدْخِلُكُمْ فِي رِضَى اللهِ الكَرِيمِ العَالِمِ الحَكِيمِ، وَقَدْ أَلْقَيْنَاكُمْ مَا يَنْفَعُكُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَيهْدِيكُمْ سُبُلَ النَّجَاةِ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ المُقْبِلِينَ.

أَنْ يَا أَيُّهَا السُّلْطَانُ اسْمَعْ قَوْلَ مَنْ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وَلا يُرِيدُ مِنْكَ جَزَاءً عَمَّا أَعْطَاكَ اللهُ وَكَانَ عَلَى قِسْطَاسِ حَقٍّ مُسْتَقِيمٍ، وَيَدْعُوكَ إِلَى اللهِ رَبِّكَ وَيَهْدِيكَ سُبُلَ الرُّشْدِ وَالفَلاحِ لِتَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ، إِيَّاكَ يَا أَيُّهَا المَلِكُ لا تَجْمَعْ فِي حَوْلِكَ مِنْ هؤُلاءِ الوُكَلاءِ الّذِينَ لا يَتَّبِعُونَ إِلَّا هَواهُمْ وَنَبَذُوا أَمَانَاتِهِمْ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَكَانُوا عَلَى خِيَانَةٍ مُبِينٍ، فَأَحْسِنْ عَلَى العِبَادِ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ لَكَ وَلا تَدَعِ النَّاسَ وَأُمُورَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ هؤُلاءِ، اتَّقِ اللهَ وَكُنْ مِنَ المُتَّقِينَ، فَاجْتَمِعْ مِنَ الوُكَلاءِ الّذِينَ تَجِدُ مِنْهُمْ رَوَايِحَ الإِيمَانِ وَالعَدْلِ ثُمَّ شَاوِرْهُمْ فِي الأُمُورِ وَخُذْ أَحْسَنَهَا وَكُنْ مِنَ المُحْسِنِينَ، فَاعْلَمْ وَأَيْقِنْ بِأَنَّ الّذِي لَنْ تَجِدَ عِنْدَهُ الدِّيَانَةَ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ الأَمَانَةُ وَالصِّدْقُ وَإِنَّ هذا لَحَقٌّ يَقِينٌ، وَمَنْ خَانَ اللهَ يَخَانُ السُّلْطَانَ وَلَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ شَيْءٍ وَلَنْ يَتَّقِيَ فِي أُمُورِ النَّاسِ وَمَا كَانَ مِنَ المُتَّقِينَ، إِيَّاكَ أَنْ لا تَدَعْ زِمَامَ الأُمُورِ عَنْ كَفِّكَ وَلا تَطْمَئِنَّ بِهِمْ وَلا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ، وَإِنَّ الّذينَ تَجِدُ قُلُوبَهُمْ إِلَى غَيْرِكَ فَاحْتَرِزْ عَنْهُمْ وَلا تَأْمُنْهُمْ عَلَى أَمْرِكَ وَأُمُورِ المُسْلِمِينَ، وَلا تَجْعَلِ الذِّئْبَ رَاعِيَ أَغْنَامِ اللهِ وَلا تَدَعْ مُحِبِّيهِ تَحْتَ أَيْدِي المُبْغِضِينَ، إِنَّ الذّينَ يَخَانُونَ الله فِي أَمْرِهِ لَنْ تَطْمَعَ مِنْهُمُ الأَمَانةَ وَلا الدِّيَانَةَ وَتَجَنَّبْ عَنْهُمْ وَكُنْ فِي حِفْظٍ عَظِيمٍ، لِئَلاَّ يَرِدَ عَلَيْكَ مَكْرُهُمْ وَضُرُّهُمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ثُمَّ أَقْبِلْ إِلَى اللهِ رَبِّكَ العَزِيزِ الكَرِيمِ، مَنْ كَانَ للهِ كَانَ اللهُ لَهُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ يَحْرُسُهُ عَنْ كُلِّ مَا يَضُرُّهُ وَعَنْ شَرِّ كُلِّ مَكَّارٍ لَئِيمٍ، وَإِنَّكَ لَوْ تَسمَعُ قَوْلِي وَتَسْتَنْصِحُ بِنُصْحِي يَرْفَعُكَ اللهُ إِلَى مَقَامٍ الّذي يَنْقَطِعُ عَنْكَ أَيْدِي كُلِّ مَنْ علَى الأَرْضِ أَجْمَعِينَ، أَنْ يَا مَلِكُ اتَّبِعْ سُنَنَ اللهِ فِي نَفْسِكَ وَبِأَرْكَانِكَ وَلا تَتَّبِعْ سُنَنَ الظَّالِمِينَ، خُذْ زِمَامَ أَمْرِكَ فِي كَفِّكَ وَقَبْضَةِ اقْتِدَارِكَ ثُمَّ اسْتَفْسِرْ عَنْ كُلِّ الأُمُورِ بِنَفْسِكَ وَلا تَغْفَلْ عَنْ شَيْءٍ وَإِنَّ فِي ذلِكَ لَخَيْرٌ عَظِيمٌ، أَنِ اشْكُرِ اللهَ رَبَّكَ بِمَا اصْطَفَاكَ بَيْنَ بَرِيَّتِهِ وَجَعَلَكَ سُلْطَانًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَنْبَغِي لَكَ بِأَنْ تَعْرِفَ قَدْرَ مَا وَهَبَكَ اللهُ مِنْ بَدَايِعِ جُودِهِ وَإِحْسَانِهِ وَتَشْكُرَهُ فِي كُلِّ حِينٍ، وَشُكْرُكَ رَبَّكَ هُوَ حُبُّكَ أَحِبَّاءَهُ وَحِفْظُكَ عِبَادَهُ وَصِيَانَتُهُمْ عَنْ هَؤُلاءِ الخَائِنِينَ، لئَلاَّ يَظْلِمَهُم أَحَدٌ ثُمَّ إِجْرَاءُ حُكْمِ اللهِ بَيْنَهُمْ لِتَكُونَ فِي شَرْعِ اللهِ لَمِنَ الرَّاسِخِينَ، وَإِنَّكَ لَوْ تُجْرِي أَنْهَارَ العَدْلِ بَيْنَ رَعْيَّتِكَ لَيَنْصُرُكَ اللهُ بِجُنُودِ الغَيْبِ وَالشِّهَادَةِ وَيُؤَيِّدُكَ عَلَى أَمْرِكَ وَإِنَّهُ مَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَمْرُ وَالخَلْقُ وَإِنَّ إِلَيْهِ يَرْجِعُ عَمَلُ المُخْلِصِينَ، وَلا تَطْمَئِنَّ بِخَزَائِنِكَ فَاطْمَئِنَّ بِفَضْلِ اللهِ رَبِّكَ ثُمَّ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ فِي أُمُورِكَ وَكُنْ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَغْنِ مِنْ غَنَائِهِ وَعِنْدَهُ خَزَائِنُ السّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ عَمَّنْ يَشَاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، كُلٌّ فُقَرَاءُ لَدَى بَابِ رَحْمَتِهِ وَضُعَفَاءُ لَدَى ظُهُورِ سُلْطَانِهِ وَكُلٌّ مِنْ جُودِهِ لَمِنَ السَّائِلِينَ، وَلا تُفَرِّطْ فِي الأُمُورِ فَاعْمَلْ بَيْنَ خُدَّامِكَ بِالعَدْلِ ثُمَّ أَنْفِقْ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْتاجُونَ بِهِ لا عَلَى قَدْرٍ الّذي يَكْنِزُونَهُ وَيجْعَلُونَهُ زِينَةً لأَنْفُسِهِمْ وَبُيوتِهِمْ وَيصْرِفُونَهُ فِي أُمُورِ الَّتِي لَنْ يحْتاجُوا بِهَا وَيكُونُنَّ مِنَ المُسْرِفِينَ، فَاعْدِلْ بَيْنَهُمْ عَلَى الخَطِّ الاسْتِوَاءِ بِحَيْثُ لَنْ يَحْتَاجَ بَعْضُهُمْ وَلَنْ يَكْنِزَ بَعْضُهُمْ وَإِنَّ هَذا لَعَدْلٌ مُبِينٌ، وَلا تَجَعَلِ الأَعِزَّةَ تَحْتَ أَيْدِي الأَذِلَّةِ وَلا تُسَلِّطِ الأَدْنَى عَلَى الأَعْلَى كَمَا شَهِدْنا فِي المَدِينَةِ وَكُنَّا مِنَ الشَّاهِدينَ، وَإِنَّا لَمَّا وَرَدْنَا المَدِينَةَ وَجَدنَا بَعْضَهُمْ فِي سَعَةٍ وَغَنَاءٍ عَظِيمٍ وَبَعْضَهُمْ فِي ذِلَّةٍ وَفَقْرٍ مُبِينٍ، وَهذا لا ينْبَغِي لِسَلْطَنَتِكَ وَلا يَلِيقُ لِشَأْنِكَ اسْمَعْ نُصْحِي ثُمَّ اعْدِلْ بَيْنَ الخَلْقِ لِيَرْفَعَ اللهُ اسْمَكَ بِالعَدْلِ بَيْنَ العَالَمِينَ، إِيَّاكَ أَنْ لا تُعَمِّرْ هؤُلاءِ الوُكَلاءَ وَلا تُخَرِّبِ الرَّعِيَّةَ اتَّقِ مِنْ ضَجِيجِ الفُقَرَاءِ وَالأَبْرَارِ فِي الأَسْحَارِ وَكُنْ لَهُمْ كَسُلْطَانٍ شَفِيقٍ، لأَنّهُمْ كَنْزُكَ فِي الأرضِ فَينْبَغِي لِحَضْرَتِكَ بِأَنْ تَحْفَظَ كَنْزَكَ مِنْ أَيْدِي هؤُلاءِ السَّارِقِينَ، ثُمَّ تَجَسَّسْ مِنْ أُمُورِهِمْ وَأَحْوالِهِمْ فِي كُلِّ حَوْلٍ بَلْ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَلا تَكُنْ عَنْهُمْ لَمِنَ الغَافِلِينَ، ثُمَّ انْصِبْ مِيزَانَ اللهِ فِي مُقَابَلَةِ عَيْنِكَ ثُمَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ فِي مَقَامٍ الّذِي كَأَنَّكَ تَرَاهُ ثُمَّ وَزِّنْ أَعْمالَكَ بِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَلْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَحَاسِبْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ فِي يَوْمٍ الّذِي لَنْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ رِجْلُ أَحَدٍ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتَضْطَرِبُ فِيهِ أَفْئِدَةُ الغَافِلِينَ، وَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ بِأَنْ يَكُونَ فَيْضُهُ كَالشَّمْسِ يُرَبِّي كُلَّ شَيءٍ وَيُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَهذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا بَلْ بِمَا قُدِّرَ مِنْ لَدُنْ مُقْتَدِرٍ قَدِيرٍ، وَيَكُونُ رَحْمَتُهُ كَالسَّحَابِ يُنْفِقُ عَلَى العِبَادِ كَمَا يُنْفِقُ السَّحَابُ أمْطَارَ الرَّحْمَةِ عَلَى كُلِّ أَرْضٍ بِأَمْرٍ مِنْ مُدَبِّرٍ عَلِيمٍ، إِيَّاكَ أَنْ لا تَطْمَئِنَّ مِنْ أَحَدٍ فِي أَمْرِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَكَ أَحَدٌ كَمِثْلِكَ عَلَى نَفْسِكَ كَذلِكَ نُبَيِّنُ لَكَ كَلِمَاتِ الحِكْمَةِ وَنُلْقِي عَلَيْكَ مَا يُقَلِّبُكَ عَنْ شِمَالِ الظُّلْمِ إِلَى يَمِينِ العَدْلِ وَيَهْدِيكَ إِلَى شَاطِئِ قُرْبٍ مُنِيرٍ، كُلُّ ذلِكَ مِنْ سِيرَةِ المُلُوكِ الَّذِينَ سَبَقُوكَ فِي المُلْكِ وَكَانُوا أَنْ يَعْدِلُوا بَيْنَ النَّاسِ وَيَسْلُكُوا عَلى مَنَاهِجِ عَدْلٍ قَويمٍ، إِنَّكَ ظِلُّ اللهِ فِي الأَرْضِ فَافْعَلْ مَا يَلِيقُ لِهذَا الشَّأْنِ المُتَعَالِ العَظِيمِ، وَإِنَّكَ إِنْ تَخْرُجْ عَمَّا ألْقَيْنَاكَ وَعَلَّمْنَاكَ لَتَخْرُجْ عَنْ هذا الشَّأْنِ الأَعَزِّ الرَّفِيعِ، فَارْجِعْ إِلَى اللهِ بِقَلْبِكَ ثُمَّ طَهِّرْهُ عَنِ الدُّنْيا وَزُخْرُفِها وَلا تُدْخِلْ فِيهِ حُبَّ المُغَايِرِينَ، لأَنَّكَ لَوْ تُدْخِلُ فِيهِ حُبَّ الغَيْرِ لَنْ يَسْتَشْرِقَ عَلَيْهِ أَنْوَارُ تَجَلِّي اللهِ، لأَنَّ اللهَ مَا جَعَلَ لأَحَدٍ مِنْ قَلْبَيْنِ وَهذا مَا نُزِّلَ فِي كِتابٍ قَدِيمٍ، وَلَمَّا جَعَلَهُ اللهُ وَاحِدًا يَنْبَغِي لِحَضْرَتِكَ بِأَنْ لا تُدْخِلَ فِيهِ حُبَّيْنِ، إِذًا تَمَسَّكْ بِحُبِّ اللهِ وَأَعْرِضْ عَنْ حُبِّ مَا سِوَاهُ لِيُدْخِلَكَ اللهُ فِي لُجَّةِ بَحْرِ أَحَدِيَّتِهِ وَيَجْعَلَكَ مِنَ المُوَحِّدِينَ، فَوَاللهِ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودِي فِيمَا أَلْقَيْنَاكَ إِلَّا تَنْزِيهَكَ عَنِ الأَشْيَاءِ الفَانِيَةِ وَوُرُودَكَ فِي جَبَرُوتِ البَاقِيَةِ وَتَكُونَ فِيهِ بِإِذْنِ اللهِ لَمِنَ الحَاكِمينَ، أَسَمِعْتَ يَا أَيُّهَا المَلِكُ مَا وَرَدَ عَلَيْنَا مِنْ وُكَلائِكَ وَمَا عَمِلُوا بِنَا أَمْ كُنْتَ مِنَ الغَافِلينَ، وَإِنْ سَمِعْتَ وَعَلِمْتَ لِمَ مَا أَنَهَيْتَهُمْ عَنْ فِعْلِهِمْ وَرَضِيتَ لِمَنْ أَجَابَ أَمْرَكَ وَأَطَاعَكَ مَا لا يَرْضَى لأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ أَحَدٌ مِنَ السَّلاطِينِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُطَّلِعًا هذا أَعْظَمُ مِنَ الأُولَى إِنْ أَنْتَ مِنَ المُتَّقِينَ، إِذًا أَذْكُرُ لِحَضْرَتِكَ لِتَطَّلِعَ بِمَا وَرَدَ عَلَيْنَا مِنْ هؤُلاءِ الظَّالِمِينَ، فَاعْلَمْ بِأَنَّا جِئْنَاكَ بِأَمْرِكَ وَدَخَلْنَا مَدِينَتَكَ بِعِزٍّ مُبِينٍ، وَأَخْرَجُونَا عَنْها بِذِلَّةٍ الَّتِي لَنْ تُقَاسَ بِهِ ذِلّةٌ فِي الأَرْضِ إِنْ أَنْتَ مِنَ المُطَّلِعِينَ، وَأَذْهَبُونَا إِلَى أَنْ دَخَّلُونَا فِي مَدِينَةٍ الَّتِي لَنْ يَدْخُلَ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا الَّذِينَ هُم عَصَوْا أَمْرَكَ وَكَانُوا مِنَ العَاصِينَ، وَكَانَ ذلِكَ بَعْدَ الّذِي مَا عَصَيْنَاكَ فِي أَقَلَّ مِنْ آنٍ فَلَمَّا سَمِعْنَا أَمْرَكَ أَطَعْنَاهُ وَكُنَّا مِنَ المُطِيعينَ، وَمَا رَاعَوْا فِينَا حَقَّ اللهِ وَحُكْمَهُ وَلا فِيمَا نُزِّلَ عَلَى الأَنْبِياءِ وَالمُرْسَلِينَ، وَمَا رَحَمُوا عَلَيْنَا وَفَعَلُوا بِنَا مَا لا فَعَلَ مُسْلِمٌ عَلَى مُسْلِمٍ وَلا مُؤْمِنٌ عَلَى كَافِرٍ وَكَانَ اللهُ عَلَى مَا أَقُولُ شَهِيدٌ وَعَلِيمٌ، وَحِينَ إِخْرَاجِنَا عَنْ مَدِينَتِكَ حَمَلُونَا عَلَى خُدُورِ الَّتِي تَحْمِلُ عَلَيْهَا العِبَادُ أَثْقَالَهُمْ وَأَوْزَارَهُمْ كَذلِكَ فَعَلُوا بِنَا إِنْ كَانَ حَضْرَتُكَ لَمِنَ المُسْتَخْبِرينَ، وَأَذْهَبُونَا إِلَى أَنْ وَرَّدُونا فِي بَلْدَةِ العُصاةِ عَلَى زَعْمِهِمْ، فَلَمَّا وَرَدْنا مَا وَجَدْنا فِيها مِنْ بَيْتٍ لِنَسْكُنَ فِيها لِذا نَزَلْنا فِي مَحَلٍّ الّذِي لَنْ يَدْخُلَ فِيهِ إِلَّا كُلُّ ذِي اضْطِرارٍ غَرِيبٍ، وَكُنَّا فِيهِ أَيَّامًا مَعْدُودةً وَاشْتَدَّ عَلَيْنَا الأَمْرُ لِضِيقِ المَكَانِ لِذَا اسْتَأْجَرْنا بُيوتَ الَّتِي تَرَكُوها أَهْلُها مِنْ شِدَّةِ بَرْدِها وَكَانُوا مِنَ التَّارِكِينَ، وَلَنْ يَسْكُنَ فِيها أَحَدٌ إِلَّا فِي الصَّيْفِ وَإِنَّا فِي الشِّتَاءِ كُنَّا فِيها لَمِنَ النَّازِلِينَ، وَلَمْ يَكُنْ لأَهْلِي وَلِلّذِينَ هُمْ كَانُوا مَعِي مِنْ كِسْوَةٍ لِتَقِيهِمْ عَنْ البَرْدِ فِي هذَا الزَّمْهَريرِ، فَيا لَيْتَ عَامَلُوا بِنَا هؤُلاءِ الوُكَلاءُ بِالأُصُولِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فَوَاللهِ مَا عَامَلُوا بِنَا لا بِحُكْمِ اللهِ وَلا بِالأُصُولِ الَّتِي يَدَّعُونَ بِها وَلا بِالقَواعِدِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ النَّاسِ وَلا بِقَوَاعِدِ أَرَامِلِ الأَرْضِ حِينَ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ أَحَدٌ مِنْ عَابِرِ السَّبِيلِ، كَذلِكَ وَرَدَ عَلَيْنا مِنْ هؤُلاءِ قَدْ أَذْكَرْناهُ لَكَ بِلِسَانِ صِدْقٍ مَنِيعٍ، كُلُّ ذلِكَ وَرَدَ عَلَيَّ بَعْدَ الَّذِي قَدْ جِئْتُهُمْ بِأَمْرِهِمْ وَمَا تَخَلَّفْتُ عَنْ حُكْمِهِمْ لأَنَّ حُكْمَهُمْ يَرْجِعُ إِلَى حَضْرَتِكَ لِذَا أَجَبْناهُمْ فِيما أَمَرُوا وَكُنَّا مِنَ المُجِيبِينَ، كَأَنَّهُمْ نَسَوْا حُكْمَ اللهِ فِي أَنْفُسِهِمْ قَالَ وَقَوْلُهُ الحَقُّ "فَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ" كَأَنَّهُمْ مَا أَرَادُوا شَيْئًا إِلَّا رَاحَةَ أَنْفُسِهِمْ وَلَنْ يَسْمَعُوا ضَجِيجَ الفُقَرَاءِ وَلَنْ يَدْخُلَ فِي آذانِهِم صَرِيخُ المَظْلُومِينَ، كَأَنَّهُمْ ظَنُّوا فِي أَنْفُسِهِم بِأَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ وَدُونَهُمْ مِنَ التُّرَابِ فَبِئْسَ مَا ظَنُّوا كُلُّنَا خُلِقْنَا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، يَا أَيُّها المَلِكُ فَوَاللهِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَشْكُوَ مِنْهُمْ فِي حَضْرَتِكَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ الَّذِي خَلَقَنَا وَإِيَّاهُمْ وَكَانَ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ لَشَاهِدٌ وَوَكِيلٌ بَلْ أُرِيدُ أَنْ أُذَكِّرَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ لَعَلَّ لا يَفْعَلُوا بِأَحَدٍ كَمَا فَعَلُوا بِنَا وَلَعَلَّ يَكُونُنَّ مِنَ المُتَذَكِّرِينَ، سَتَمْضِي بَلايانا وَاضْطِرارُنا وَالشِّدَّةُ الَّتِي أَحاطَتْنا مِنْ كُلِّ الجِهاتِ وَكَذلِكَ تَمْضِي رَاحَتُهُمْ وَالرَّخَاءُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ وَهذا مِنْ حَقٍّ الَّذِي لَنْ يُنْكِرَهُ أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ، وَسَيُقْضَى سُكُونُنا عَلَى التُّرابِ بِهذِهِ الذِّلَّةِ وَجُلُوسُهُمْ عَلَى سَرِيرِ العِزَّةِ وَيَحْكُمُ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمينَ وَنَشْكُرُ اللهَ فِي كُلِّ مَا وَرَدَ عَلَيْنَا وَنَصْبِرُ فِيمَا قُضِيَ وَيَقْضِي وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ فَوَّضْتُ أَمْرِي وَإِنَّهُ يُوفِي أُجُورَ الصَّابِرينَ وَالمُتَوَكِّلِينَ، لَهُ الأَمْرُ وَالخَلْقُ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَلا يُسْئَلْ عَمَّا شَاءَ وَإِنّهُ لَهُوَ العَزِيزُ القَدِيرُ، اسْمَعْ يَا سُلْطانُ مَا أَلْقَيْنا عَلَى حَضْرَتِكَ ثُمَّ امْنَعِ الظَّالِمينَ عَنْ ظُلْمِهِمْ ثُمَّ اقْطَعْ أَيْدِيَهُمْ عَنْ رُؤُوسِ المُسْلِمِينَ، فَوَاللهِ وَرَدَ عَلَيْنَا مَا لا يَجْرِي القَلَمُ عَلَى ذِكْرِهِ إِلَّا بِأَنْ يَحْزَنَ رَاقِمُهُ وَلَنْ تَقْدِرَ أَنْ تَسْمَعَهُ آذانُ المُوَحِّدِينَ، وَبَلَغَ أَمْرُنَا إِلَى مَقامٍ الَّذِي بَكَتْ عَلَيْنا عُيونُ أَعْدَائِنَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ كُلُّ ذِي بَصَرٍ بَصِيرٍ، بَعْدَ الَّذِي تَوَجَّهْنا إِلَى حَضْرتِكَ وَأَمَرْنَا النَّاسَ بِأَنْ يَدْخُلُوا فِي ظِلِّكَ لِتَكُونَ حِصْنًا لِلْمُوَحِّدِينَ، أَخَالَفْتُكَ يَا سَلْطَانُ فِي شَيْءٍ أَوْ عَصَيْتُكَ فِي أَمْرٍ أَوْ مَعَ وُزَرَائِكَ الَّذِينَ كَانُوا أَنْ يَحْكُمُوا فِي العِرَاقِ بِإِذْنِكَ؟ لا فَوَرَبِّ العَالَمِينَ، مَا عَصَيْنَاكَ وَلا إِيَّاهُمْ فِي أَقَلَّ مِنْ لَمْحِ البَصَرِ وَلا أَعْصِيكَ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللهُ وَأَرَادَ وَلَوْ يَرِدُ عَلَيْنَا أَعْظَمُ عَمَّا وَرَدَ وَنَدْعُوكَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَفِي كُلِّ بُكُورٍ وَأَصِيلٍ، لِيُوَفِّقَكَ اللهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَإِجْرَاءِ حُكْمِهِ وَيَحْفَظَكَ مِنْ جُنُودِ الشَّيَاطِينِ، إِذًا فَافْعَلْ مَا شِئْتَ وَمَا يَنْبَغِي لِحَضْرَتِكَ وَيَلِيقُ لِسَلْطَنَتِكَ وَلا تَنْسَ حُكْمَ اللهِ فِي كُلِّ مَا أَرَدْتَ أَوْ تُرِيدُ، وَقُلِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

أَنْ يَا سَفِيرَ العَجَمِ فِي المَدِينَةِ أَزَعَمْتَ بِأَنَّ الأَمْرَ كَانَ بِيَدِي أَوْ يُبَدَّلُ أَمْرُ اللهِ بِسِجْنِي وَذُلِّي أَوْ بِإِفْقَادِي وَإِفْنَائِي فَبِئْسَ مَا ظَنَنْتَ فِي نَفْسِكَ وَكُنْتَ مِنَ الظَّانِّينَ إِنَّهُ مَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا هُوَ يَظْهَرُ أَمْرُهُ وَيَعْلُو بُرْهَانُهُ وَيُثْبِتُ مَا أَرَادَ وَيَرْفَعُهُ إِلَى مَقَامٍ الَّذِي يَنْقَطِعُ عَنْهُ أَيْدِيكَ وَأَيْدِي المُعْرِضِينَ، هَلْ تَظُنُّ بأَنَّكَ تُعْجِزُهُ فِي شَيْءٍ أَوْ تَمْنَعُهُ عَنْ حُكْمِهِ وَسُلْطَانِهِ أَوْ يَقْدِرُ أَنْ يَقُومَ مَعَ أَمْرِهِ كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرَضِينَ، لا فَوَ نَفْسِهِ الحَقِّ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ عَمَّا خُلِقَ إِذًا فَارْجِعْ عنْ ظَنِّكَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا وَكُنْ مِنَ الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ الَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَجَعَلَكَ سَفِيرَ المُسْلِمينَ، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ بِكَلِمَةِ أَمْرِهِ وَمَا خُلِقَ بِحُكْمِهِ كَيْفَ يَقُومُ مَعَهُ فَسُبْحانَ اللهِ عَمَّا أَنْتُمْ تَظُنُّونَ يَا مَلأَ المُبْغِضِينَ، إِنْ كَانَ هذَا الأَمْرُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ لَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِهِ يَكْفِيهِ عُلَمَاءُكُمْ وَالَّذِينَ هُمْ اتَّبَعُوا هَواهُمْ وَكَانُوا مِنَ المُعْرِضِينَ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ قَبْلُ وَحَكَى اللهُ عَنْهُ لِنَبِيِّهِ الَّذِي اصْطَفاهُ بَيْنَ خَلْقِهِ وَأَرْسَلَهُ عَلَيْهِمْ وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، قَالَ وَقَوْلُهُ الحَقُّ ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالبَيِّناتِ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وَهَذا مَا نَزَّلَ اللهُ عَلَى حَبِيبِهِ فِي كِتَابِهِ الحَكِيمِ، وَأَنْتُمْ مَا سَمِعْتُمْ أَمْرَ اللهِ وَحُكْمَهُ وَمَا اسْتَنْصَحْتُمْ بِنُصْحِ الَّذِي نُزِّلَ فِي الكِتَابِ وَكُنْتُمْ مِنَ الغَافِلينَ، وَكَمْ مِنْ عِبَادٍ قَتَلْتُمُوهُم فِي كُلِّ شُهُورٍ وَسِنِينَ وَكَمْ مِنْ ظُلْمٍ ارْتَكَبْتُمُوهُ فِي أَيَّامِكُمْ وَلَمْ يَرَ شِبْهَها عَيْنُ الإِبْدَاعِ وَلَنْ يُخْبِرَ مِثْلَها أَحَدٌ مِنَ المُؤَرِّخِينَ، وَكَمْ مِنْ رَضِيعٍ بَقِيَ مِنْ غَيْرِ أُمٍّ وَوَالِدٍ وَكَمْ مِنْ أَبٍ قُتِلَ ابْنُهُ مِنْ ظُلْمِكُم يَا مَلأَ الظَّالِمِينَ، وَكَمْ مِنْ أُخْتٍ ضَجَّتْ فِي فِراقِ أَخِيهَا وَكَمْ مِنْ امْرَأَةٍ بَقَتْ بِغَيْرِ زَوْجٍ وَمُعِينٍ، وَارْتَقَيْتُمْ فِي الظُّلْمِ إِلَى مَقَامٍ الَّذِي قَتَلْتُمُ الَّذِي مَا تَحَرَّفَ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِ اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، فَيَا لَيْتَ قَتَلْتُمُوهُ كَمَا يَقْتُلُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بَلْ قَتَلْتُمُوهُ بِقِسْمٍ الَّذِي مَا رَأَتْ بِمِثْلِهِ عُيُونُ النَّاسِ وَبَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَضَجَّتْ أَفْئِدَةُ المُقَرَّبِينَ، أَما كَانَ ابْنَ نَبِيِّكُمْ وَأَمَا كَانَ نِسْبَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ مُشْتَهِرًا بَيْنَكُمْ فَكَيْفَ فَعَلْتُمْ بِهِ مَا لا فَعَلَ أَحَدٌ مِنَ الأَوَّلِينَ، فَوَاللهِ مَا شَهِدَ عَيْنُ الوُجُودِ بِمِثْلِكُمْ تَقْتُلُونَ ابْنَ نَبِيِّكُمْ ثُمَّ تَفْرَحُونَ عَلَى مَقَاعِدِكُمْ وَتَكُونُنَّ مِنَ الفَرِحِينَ، وَتَلْعَنُونَ الَّذِينَ هُمْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ وَفَعَلُوا بِمِثْلِ مَا فَعَلْتُمْ ثُمَّ عَنْ أَنْفُسِكُمْ لَمِنَ الغَافِلِينَ، إِذًا فَأَنْصِفْ فِي نَفْسِك إِنَّ الَّذِينَ تَسُبُّونَهُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ هَلْ فَعَلُوا بِغَيْرِ مَا فَعَلْتُمْ، أُولئِكَ قَتَلُوا ابْنَ نَبِيِّهِمْ كَمَا قَتَلْتُمْ ابْنَ نَبِيِّكُمْ وَجَرَى مِنْكُمْ مَا جَرَى مِنْهُمْ فَمَا الفَرْقُ بَيْنَكُمْ يَا مَلأَ المُفْسِدينَ، فَلَمَّا قَتَلْتُمُوهُ قَامَ أَحَدٌ مِنْ أَحِبَّائِهِ عَلَى القِصَاصِ وَلَنْ يَعْرِفَهُ أَحَدٌ وَاخْتَفَى أَمْرُهُ عَنْ كُلِّ ذِي رُوحٍ وَقُضِيَ مِنْهُ مَا أُمْضِيَ إِذاً يَنْبَغِي بِأَنْ لا تَلُومُوا أَحَدَاً فِي ذلِكَ بَلْ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ فِيمَا فَعَلْتُمْ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ المُنْصِفِينَ، هَلْ فَعَلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ بِمِثْلِ مَا فَعَلتُمْ لا فَوَرَبِّ العَالَمِينَ، كُلُّ المُلُوكِ وَالسَّلاطِينِ يُوَقِّرُونَ ذُرِّيَّةَ نَبِيِّهِمْ وَرَسُولِهِمْ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَأَنْتُمْ فَعَلْتُمْ ما لا فَعَلَ أَحَدٌ وَارْتَكَبْتُمْ مَا احْتَرَقَتْ عَنْهُ أَكْبَادُ العَارِفِينَ، وَمَعَ ذلِكَ ما تَنَبَّهْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ وَما اسْتَشْعَرْتُمْ مِنْ فِعْلِكُمْ إِلَى أَنْ قُمْتُمْ عَلَيْنا مِنْ دُونِ ذَنْبٍ وَلا جُرْمٍ مُبِينٍ، أَما تَخَافُونَ عَنِ اللهِ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَسَوَّاكُمْ وَبَلَغَ أَشُدَّكُمْ وَجَعَلَكُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، إِلَى مَتَى لا تَتَنَبَّهُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَلا تَتَعقَّلُونَ فِي ذَواتِكُمْ وَلا تَقُومُونَ عَنْ نَوْمِكُمْ وَغَفْلَتِكُمْ وَما تَكُونُنَّ مِنَ المُتَنَبِّهِينَ، وَأَنْتَ فَكِّرْ فِي نَفْسِكَ مَعَ كُلِّ ما فَعَلْتُمْ وَعَمِلْتُمْ هَلِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تُخْمِدُوا نارَ اللهِ أَوْ تُطْفِئُوا أَنْوَارَ تَجَلِّيهِ الَّتِي اسْتَضاءَتْ مِنْهَا أَهْلُ لُجَجِ البَقَاءِ وَاسْتَجْذَبَتْ عَنْهَا أَفْئِدَةُ المُوَحِّدِينَ، أَمَا سَمِعْتُمْ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْديكُمْ وَتَقْدِيرهُ فَوْقَ تَدْبِيرِكُمْ وَإِنَّهُ لَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَالغَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ يَفْعَلُ ما يَشَاءُ وَلا يُسْئَلُ عَمَّا شَاءَ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَهُوَ المُقْتَدِرُ القَدِيرُ، وَإِنْ تُوقِنُوا بِذلِكَ لِمَ لا تَنْتَهُونَ أَعْمَالَكُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ السَّاكِنِينَ، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ تُجَدِّدُونَ ظُلْمَكُمْ كَمَا قُمْتُمْ عَلَيَّ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بَعْدَ الَّذِي مَا دَخَلَتْ نَفْسِي فِي هذِهِ الأُمُورِ وَمَا كُنْتُ مُخَالِفَاً لَكُمْ وَلا مُعَارِضَاً لأَمْرِكُمْ إِلَى أَنْ جَعَلْتُمُونِي مَسْجُوناً فِي هذِهِ الأَرْضِ البَعِيدِ، وَلكِنْ فَاعْلَمْ ثُمَّ أَيْقِنْ بِأَنَّ ذلِكَ لَنْ يُبَدِّلَ أَمْرَ اللهِ وَسُنَنَهُ كَمَا لَمْ يُبَدِّلْ مِنْ قَبْلُ عَنْ كُلِّ ما اكْتَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَيْدِي المُشْرِكِينَ، ثُمَّ اعْلَمُوا يا مَلأَ الأَعْجَامِ بِأَنَّكُمْ لَو تَقْتُلُونَنِي يَقُومُ للهِ أَحَدٌ مَقامِي وَهذِهِ مِنْ سُنَّةِ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدُوا لِسُنَّتِهِ لا مِنْ تَبْدِيلٍ وَلا مِنْ تَحْويلٍ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تُطْفِئُوا نُورَ اللهِ فِي أَرْضِهِ أَبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ أَنْتُمْ تَكرَهُوهُ فِي أَنْفُسِكُمْ وَتَكُوُنُنَّ مِنَ الكَارِهِينَ، وَأَنْتَ يَا سَفِيرُ تَفَكَّرْ فِي نَفْسِكَ أَقَلَّ مِنْ آنٍ ثُمَّ أَنْصِفْ فِي ذَاتِكَ بِأَيِّ جُرْمٍ افْتَرَيْتَ عَلَيْنا عِنْدَ هؤُلاءِ الوُكَلاءِ وَاتَّبَعْتَ هَواكَ وَأَعْرَضْتَ عَنِ الصِّدْقِ وَكُنْتَ مِنَ المُفْتَرِينَ، بَعْدَ الَّذِي مَا عَاشَرْتَنِي وَمَا عَاشَرْتُكَ وَمَا رَأَيْتَنِي إِلَّا فِي بَيْتِ أَبِيكَ أَيَّامَ الَّتِي فِيها يُذْكَرُ مَصَائِبُ الحُسَيْنِ وَفِي تِلْكَ المَجَالِسِ لَمْ يَجِدِ الفُرْصَةَ أَحَدٌ لِيَفْتَحَ اللِّسَانَ وَيَشْتَغِلَ بِالبَيانِ حَتَّى يُعْرَفَ مَطَالِبُهُ أَوْ عَقَائِدُهُ وَأَنْتَ تُصَدِّقُنِي فِي ذلِكَ لَوْ تَكُونُ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَفِي غَيْر تِلْكَ المَجَالِسِ مَا دَخَلْتُ لِتَرَانِي أَنْتَ أَوْ يَرَانِي غَيْرُكَ مَعَ ذلِكَ كَيْفَ أَفْتَيْتَ عَلَيَّ مَا لا سَمِعْتَ مِنِّي، أَمَا سَمِعْتَ ما قَالَ عزَّ وَجَلَّ ﴿لا تقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبِّهِمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَأَنْتَ خَالَفْتَ حُكْمَ الكِتَابِ بَعْدَ الَّذِي حَسِبْتَ نَفْسَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَمَعَ ذلِكَ فَوَاللهِ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِي بُغْضُكَ وَلا بُغْضُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَلَوْ وَرَدْتُمْ عَلَيْنَا مَا لا يُطْيقُهُ أَحَدٌ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وَما أَمْرِي إِلَّا بِاللهِ وَتَوَكُّلِي إِلَّا عَلَيْهِ فَسَوْفَ يَمْضِي أَيَّامُكُمْ وَأَيَّامُ الَّذِينَ هُمْ كَانُوا اليَوْمَ عَلَى غُرورٍ مُبِينٍ، وَتَجْتَمِعُونَ فِي مَحْضَرِ اللهِ وَتُسْئَلُونَ عَمَّا اكْتَسَبتُمْ بِأَيْدِيكُمْ وَتُجْزَوْنَ بِها فَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ، فَوَاللهِ لَوْ تَطَّلِعُ بِمَا فَعَلْتَ لَتَبْكِي عَلَى نَفْسِكَ وَتَفِرُّ إِلَى اللهِ وَتَضُجُّ فِي أَيَّامِكَ إِلَى أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكَ وَإِنَّهُ لَجَوَّادٌ كَرِيمٌ، وَلكِنْ أَنْتَ لَنْ تُوَفَّقَ بِذلِكَ لِمَا اشْتَغَلْتَ بِذاتِكَ وَنَفْسِكَ وَجِسْمِكَ إِلَى زَخارِفِ الدُّنْيا إِلَى أَنْ يُفَارِقَ الرُّوُحُ عَنْكَ إِذاً تَعْرِفُ مَا أَلْقَيْنَاكَ وَتَجِدُ أَعْمالَكَ فِي كِتَابِ الَّذِي مَا تُرِكَ فِيهِ ذَرَّةٌ مِنْ أَعْمالِ الخَلائِقِ أَجْمَعِينَ، إِذاً فَاسْتَنْصِحْ بِنُصْحِي ثُمَّ اسْمَعْ قَوْلِي بِسَمْعِ فُؤَادِكَ وَلا تَغْفَلْ عَنْ كَلِمَاتِي وَلا تَكُنْ مِنَ المُعْرِضِينَ، وَلا تَفْتَخِرْ بِمَا أُوتِيتَ فَانْظُرْ إِلَى ما نُزِّلَ فِي كِتَابِ اللهِ المُهَيْمِنِ العَزِيزِ، فَلَمَّا نَسَوْا عَمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ كَمَا فُتِحَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَمْثالِكَ أَبْوابُ الدُّنْيا وَزُخْرُفُها، إِذاً فَانْتَظِرْ ما نُزِّلَ فِي آخِرِ هذِهِ الآيَةِ المُبارَكَةِ وَهذَا وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ مِنْ مُقْتَدِرٍ حَكِيمٍ، وَلَمْ أَدْرِ بِأَيِّ صِراطٍ أَنْتُمْ تُقِيمُونَ وَعَلَيْهِ تَمْشُونَ يا مَلأَ المُبْغِضِينَ، إِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى اللهِ وَنُذَكِّرُكُمْ بِأَيَّامِهِ وَنُبَشِّرُكُمْ بِلِقَائِهِ وَنُقَرِّبُكُمْ إِلَيْهِ وَنُلْقِيكُمْ مِنْ بَدايِعِ حِكْمَتِهِ وَأَنْتُمْ تَطْرُدُونَنا وَتُكَفِّرُونَنا بِما صَفَتْ لَكُمْ أَلْسُنَتُكُم الكَذِبَةُ وَتَكُوُنُنَّ مِنَ المُدْبِرينَ، وَإِذا أَظْهَرْنا بَيْنَكُمْ ما أَعْطانَا اللهُ بِجُودِهِ تَقُولُونَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ كَما قَالُوا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ مِنْ قَبْلُ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الشَّاعِرينَ، وَلِذا مَنَعْتُمْ أَنْفُسَكُمْ عَنْ فَيْضِ اللهِ وَفَضْلِهِ وَلَنْ تَجِدُوهُ مِنْ بَعْدُ إِلَى أَنْ يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ وَهُو أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ، وَمِنْكُمْ مَنْ قالَ إِنَّ هذا هُوَ الَّذِي ادَّعَى فِي نَفْسِهِ ما ادَّعَى فَوَاللهِ هذا لَبُهْتانٌ عَظِيمٌ، وَما أَنَا إِلَّا عَبْدٌ آمَنْتُ بِاللهِ وَآياتِهِ وَرُسُلِهِ وَمَلئِكَتِهِ وَيَشْهَدُ حِينَئِذٍ لِسانِي وَقَلْبِي وَظاهِرِي وَباطِنِي بِأَنَّهُ هُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَما سِواهُ مَخْلُوقٌ بِأَمْرِهِ وَمُنْجَعِلٌ بِإِرادَتِهِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الخالِقُ الباعِثُ المُحْيِي المُمِيتُ، وَلكِنْ إِنِّي حَدَّثْتُ نِعْمَةَ الَّتِي أَنْعَمَنِي اللهُ بِجُودِهِ وَإِنْ كَانَ هذا جُرْمِي فأَنا أَوَّلُ المُجْرِمِينَ، وَأَكُونُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مَعَ أَهْلِي فَافْعَلُوا ما شِئْتُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ الصَّابِرينَ، لَعَلَّ أَرْجِعُ إِلَى اللهِ رَبِّي فِي مَقامِ الَّذِي يَخْلُو فِيهِ عَنْ وُجُوهِكُمْ وَهذا مُنْتَهَى أَمَلِي وَبُغْيَتِي وَكَفَى بِاللهِ عَلَى نَفْسِي لَعَلِيمٌ وَخَبِيرٌ، أَنْ يَا سَفِيرُ فَاجْعَلْ مَحْضَرَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ إِنَّكَ إِنْ لَنْ تَراهُ إِنَّهُ يَراكَ ثُمَّ أَنْصِفْ فِي أَمْرِنَا بِأَيِّ جُرْمٍ قُمْتَ عَلَيْنا وَافْتَرَيْتَنا بَيْنَ النَّاسِ إِنْ تَكُونُ مِنَ المُنْصِفينَ، قَدْ خَرَجْتُ مِنَ الطِّهْرانِ بِأَمْرِ المَلِكِ وَتَوَجَّهْنا إِلَى العِرَاقِ بِإِذْنِهِ إِلَى أَنْ وَرَدْنا فِيهِ وَكُنَّا مِنَ الوَارِدينَ، إِنْ كُنْتُ مُقَصِّراً لِمَ أُطْلِقْنَا وَإِنْ لَمْ أَكُنْ مُقَصِّراً لِمَ أَوْرَدْتُمْ عَلَيْنا مَا لا أَوْرَدَ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَبَعْدَ وَرُودِي فِي العِرَاقِ هَلْ ظَهَرَ مِنِّي ما يَفْسُدُ بِهِ أَمْرُ الدَّوْلَةِ وَهَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنَّا مُغايِراً فَاسْئَلْ أَهْلَهَا لِتَكُونَ مِنَ المُسْتَبْصِرينَ، وَكُنَّا فِيهِ إِحْدَى عَشَرِ سَنِينَ إِلَى أَنْ جَاءَ سَفِيرُكُمُ الَّذِي لَنْ يُحِبَّ القَلَمُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى اسْمِهِ وَكَانَ أَنْ يَشْرَبُ الخَمْرَ وَيَرْتَكِبُ البَغْيَ وَالفَحْشَاءَ وَفَسَدَ فِي نَفْسِهِ وَأَفْسَدَ العِراقَ وَيَشْهَدُ بِذلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الزَّوْرَاءِ لَوْ تَسْئَلُ عَنْهُمْ وَتَكُوُنُ مِنَ السَّائِلِينَ، وَكَانَ أَنْ يَأْخُذُ أَمْوالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَتَرَكَ كُلَّ ما أَمَرَهُ اللهُ بِهِ وَارْتَكَبَ كُلَّ ما نَهاهُ عَنْهُ إِلَى أَنْ قامَ عَلَيْنا بِمَا اتَّبَعَ نَفْسَهُ وَهَواهُ وَسَلَكَ مَنْهَجَ الظَّالِمِينَ، وَكَتَبَ إِلَيْكَ ما كَتَبَ فِي حَقِّنا وَأَنْتَ قَبِلْتَ مِنْهُ وَاتَّبَعْتَ هَواهُ مِنْ دُونِ بَيِّنَةٍ وَلا بُرْهَانٍ مُبِينٍ، وَما تَبَيَّنْتَ وَما تَفَحَّصْتَ وَما تَجَسَّسْتَ لِيَظْهَرَ لَكَ الصِّدْقُ عَنِ الكَذِبِ وَالحَقُّ عَنِ البَاطِلِ وَتَكُونَ عَلَى بَصِيرةٍ مُنِيرَةٍ فَاسْئَلْ عَنْهُ عَنِ السُّفَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا فِي العِرَاقِ وَعَنْ وَرَائِهِمْ عَنْ وَالِي البَلْدَةِ وَمُشِيرِها لِيُحَصْحِصَ لَكَ الحَقُّ وَتَكُونَ مِنَ المُطَّلِعِينَ، فَوَاللهِ ما خَالَفْناهُ فِي شَيْءٍ وَلا غَيْرَهُ وَاتَّبَعْنا أَحْكَامَ اللهِ فِي كُلِّ شَأْنٍ وَمَا كُنَّا مِنَ المُفْسِدِينَ، وَهُوَ بِنَفْسِهِ يَشْهَدُ بِذلِكَ وَلكِنْ يُرِيدُ أَنْ يِأْخُذَنا وَيُرْجِعَنا إِلَى العَجَمِ لارْتِفَاعِ اسْمِهِ كَمَا أَنْتَ ارْتَكَبْتَ هذا الذّنبَ لأَجْلِ ذلِكَ وَأَنْتَ وَهُوَ فِي حَدٍّ سَوَاءٍ عِنْدَ اللهِ المَلِكِ العَلِيمِ، وَلَمْ يَكُنْ هذَا الذِّكْرُ مِنِّي إِلَيْكَ لِتَكْشِفَ عَنِّي ضُرِّي أَوْ تَوَسَّطَ لِي عِنْدَ أَحَدٍ لا فَوَرَبِّ العَالَمِينَ، وَلكِنْ فَصَّلْنَا لَكَ الأُمُورَ لَعَلَّ تَتَنَبَّهُ فِي فِعْلِكَ وَلا تَرِدُ عَلَى أَحَدٍ مِثْلَ مَا وَرَّدْتَ عَلَيْنَا وَتَكُونُ مِنَ التَّائِبِينَ إِلَى اللهِ الَّذِي خَلَقَكَ وَكُلَّ شَيْءٍ وَتَكُونُ عَلَى بَصِيرةٍ مِنْ بَعْدُ وَهذا خَيْرٌ لَكَ عَمَّا عِنْدَكَ وَعَنْ سِفَارَتِكَ فِي هذِهِ الأَيَّامِ القَلِيلِ، إِيَّاكَ أَنْ لا تُغْمِضْ عَيْنَاكَ فِي مَوَاقِعِ الإِنْصَافِ وَتَوَجَّهْ إِلَى شَطْرِ العَدْلِ بِقَلْبِكَ وَلا تُبَدِّلْ أَمْرَ اللهِ وَكُنْ بِمَا نُزِّلَ فِي الكِتَابِ لَمِنَ النَّاظِرِينَ، أَنْ لا تَتَّبِعْ هَواكَ فِي أَمْرٍ وَاتَّبِعْ حُكْمَ اللهِ رَبِّكَ المَنَّانِ القَدِيمِ، سَتَرْجِعُ إِلَى التُّرَابِ وَلَنْ يَبْقَى نَفْسُكَ وَلا مَا تُسَرُّ بِهِ فِي أَيَّامِكَ وَهذا مَا ظَهَرَ مِنْ لِسَانِ صِدْقٍ مَنِيعٍ، أَمَا تَذَكَّرْتَ بِذِكْرِ اللهِ مِنْ قَبْلُ لِتَكُونَ مِنَ المُتَذَكِّرِينَ، قَالَ وَقَوْلُهُ الحَقُّ "مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُم وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى" وَهذَا مَا قَدَّرَهُ اللهُ لِمَنْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ كُلِّ عَزِيزٍ وَذَلِيلٍ، وَمَنْ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ وَيُعِيدُ فِيهَا وَيُخْرَجُ مِنْها لا يَنْبَغِي لَهُ بِأَنْ يَسْتَكْبِرَ عَلَى اللهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَيَفْتَخِرَ عَلَيْهِمْ وَيَكُونَ عَلَى غُرُورٍ عَظِيمٍ بَلْ يَنْبَغِي لَكَ وَلأَمْثَالِكَ بِأَنْ تَبْخَعُوا لِمَظَاهِرِ التَّوْحِيدِ وَتَخْفِضُوا جَنَاحَ الذُّلِّ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ افْتَقَرُوا فِي اللهِ وَانْقَطَعُوا عَنْ كُلِّ مَا تَشْتَغِلُ بِهِ أَنْفُسُ العِبَادِ وَيُبْعِدُهُمْ عَنْ صِراطِ اللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ، وَكَذلِكَ نُلْقِي عَلَيْكُمْ مَا يَنْفَعُكُمْ وَيَنْفَعُ الَّذِينَ هُمْ كَانُوا عَلَى رَبِّهِمْ لَمِنَ المُتَوَكِّلِينَ، أَنْ يَا مَشَايِخَ المَدِينَةِ قَدْ جِئْنَاكُمْ بِالحَقِّ وَكُنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ عَنْ ذلِكَ كَأَنَّكُمْ فِي غَشَواتِ أَنْفُسِكُمْ مَيِّتُونَ، وَمَا حَضَرْتُمْ بَيْنَ يَدَيْنا بَعْدَ الَّذِي كَانَ هذا خَيْرٌ لَكُمْ عَنْ كُلِّ مَا أَنْتُمْ بِهِ تَعْمَلُونَ، فَاعْلَمُوا بِأَنَّ شَمْسَ الوِلايَةِ قَدْ أَشْرَقَتْ بِالْحَقِّ وَأَنْتُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ، وَأَنَّ قَمَرَ الهِدَايَةِ قَدِ ارْتَفَعَ فِي قُطْبِ السَّمَاءِ وَأَنْتُمْ عَنْهُ مُحْتَجِبُونَ، وَنَجْمَ العِنَايَةِ قَدْ بَزَغَ عَنْ أُفُقِ القُدْسِ وَأَنْتُمْ عَنْهُ مُبْعَدُونَ، فَاعْلَمُوا بِأَنَّ مَشَايِخَكُمُ الَّذِينَ أَنْتُمْ تَنْسِبُونَ أَنْفُسَكُمْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ بِهِمْ تَفْتَخِرُونَ وَتَذْكُرُونَهُمْ بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ ثُمَّ بِآثَارِهِمْ تَهْتَدُونَ لَوْ كَانُوا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَيَطُوفُنَّ حَوْلِي وَلَنْ يُفَارِقُونِي فِي كُلِّ عَشِيٍّ وَبُكُورٍ، وَأَنْتُمْ مَا تَوَجَّهْتُمْ بِوَجْهِي فِي أَقَلَّ مِنْ آنٍ وَاسْتَكْبَرْتُمْ أَو غَفَلْتُمْ عَنْ هذا المَظْلُومِ الّذي ابْتُلِيَ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ بِحَيْثُ يَفْعَلُونَ بِهِ مَا يَشَاؤُونَ وَمَا تَفَحَّصْتُمْ عَنْ حَالِي وَمَا اسْتَفْسَرْتُمْ عَمَّا وَرَدَ عَلَيَّ وَبِذلِكَ مَنَعْتُمْ أَنْفُسَكمْ عَنْ أَرْيَاحِ القُدْسِ وَنَسَمَاتِ الفَضْلِ عَنْ هذا الشَّطْرِ المُنِيرِ المَشْهُودِ، كَأَنَّكُمْ تَمَسَّكْتُمْ بِالظَّاهِرِ وَنَسِيْتُمْ حُكْمَ البَاطِنِ وَتَقُولُونَ بِالقَوْلِ مَا لا تَفْعَلُونَ، وَتُحِبُّونَ الأَسْمَاءَ كَأَنَّكُمْ اعْتَكَفْتُمْ عَلَيْها وَلِذَا تَذْكُرُونَ أَسْمَاءَ مَشَايِخِكُمْ وَلَوْ يَأْتِيكُمْ أَحَدٌ مِثْلُهُمْ أَوْ فَوْقَهُمْ إِذَاً أَنْتُمْ عَنْهُ تَفِرُّونَ، وَجَعَلْتُمْ بِأَسْمَائِهِمْ لأَنْفُسِكُمْ افْتِخَارَاً وَمَنَاصِبَاً ثُمَّ بِهَا تَعِيشُونَ وَتَتَنَعَّمُونَ، وَلَوْ يَأْتِيكُمْ مَشَايِخُكُمْ بِأَجْمَعِهِمْ لا تُخَلُّونَ أَيْدِيكُمْ عَنْ رِيَاسَاتِكُمْ وَإِلَيْهِمْ لا تُقْبِلُونَ وَلا تَتَوَجَّهُونَ، وَإِنَّا وَجَدْنَاكُمْ كَمَا وَجَدْنَا أَكْثَرَ النَّاسِ عَبَدَةَ الأَسْمَاءِ يَذْكُرُونَهَا فِي أَيَّامِهِمْ وَبِهَا يَشْتَغِلُونَ، وَإِذَا ظَهَرَ مُسَمَّيَاتُها إِذَا هُمْ يُعْرِضُونَ وَعَلَى أَعْقَابِهِمْ يَنْقَلِبُونَ، كَذلِكَ عَرَفْنَاكُمْ وَأَحْصَيْنَا أَعْمَالَكُمْ وَأَشْهَدْنَا كُلَّمَا أَنْتُمْ اليَوْمَ بِهِ تَعْمَلْونَ، فَاعْلَمُوا بِأَنَّ اللهَ لَنْ يَقْبَلَ اليَوْمَ مِنْكُمْ فِكْرَكُمْ وَلا ذِكْرَكُمْ وَلا تَوَجُّهَكُم وَلا خَتْمَكُمْ وَلا مُرَاقَبَتَكُمْ إِلَّا بِأَنْ تُجَدِّدُوا عِنْدَ هذَا العَبْدِ إِنْ أَنْتُمْ تَشْعُرُونَ، تَاللهِ قَدْ غُرِسَتْ شَجَرَةُ الوِلايَةِ وَفُصِّلَتْ نُقْطَةُ العِلْمِيَّةِ وَظَهَرَتْ وِلايَةُ اللهِ المُهَيْمِنِ القَيُّومِ، اتَّقُوا اللهَ وَلا تَتَبِّعُوا هَواكُمْ وَاتَّبِعُوا حُكْمَ اللهِ فِي أَيَّامِكُمْ وَجَدِّدُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ آدَابِ الطَّرِيقِ لِتَهْتَدُوا بأَنْوَارِ الهِدَايَةِ وَتَكُونُنَّ مِنَ الَّذِينَ هُمْ إِلَى مَنَاهِجِ الحَقِّ يُسْرَعُونَ.

أَنْ يَا حُكَمَاءَ المَدِينةِ وَفَلاسِفَةَ الأَرْضِ لا تَغُرَّنّكُمُ الحِكْمَةُ بِاللهِ المُهَيْمِنِ القَيُّومِ، فَاعْلَمُوا بِأَنَّ الحِكْمَةَ هِيَ خَشْيَةُ اللهِ وَعِرْفَانُهُ وَعِرْفَانُ مَظَاهِرِ نَفْسِهِ وَهذِهِ لَحِكْمَةٌ الَّتِي لَنْ يَنَالَهَا إِلَّا اَلَّذِينَ هُمْ انْقَطَعُوا عَنِ الدُّنْيَا وَكَانُوا فِي رِضَى اللهِ هُمْ يَسْلُكُونَ، أَأَنْتُمْ أَعْظَمُ حِكْمَةً أَمِ الَّذِي صَنَعَ القَمَرَ وَكَانَ أَنْ يَطْلُعُ مِنْ بِئرٍ وَيَغْرُبُ فِي جُبٍّ أُخْرَى وَيَسْتَضِيءُ مِنْهُ ثَلثَةُ فَرَاسِخَ مِنَ الأَرْضِ وَمَحَى اللهُ آثَارَهُ وَرجَّعَهُ إِلَى التُّرَابِ وَأَنْتُمْ سَمِعْتُمْ نَبَأَهُ أَوْحِينَئِذٍ تَسْمَعُونَ، وَكَمْ مِنْ حُكَمَاءَ كَانوُا مِثْلَهُ أَوْ فَوْقَهُ وَمِثْلَكُمْ أَوْ فَوْقَكُمْ وَمِنْهُمْ آمَنُوا وَمِنْهُمْ أَعْرَضُوا وَأَشْرَكُوا وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا هُمْ فِي النَّارِ كَانُوا أَنْ يَدْخُلُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا هُمْ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ كَانُوا أَنْ يَرْجِعُونَ، إِنَّ اللهَ لا يَسْئَلُكُمْ عَنْ صَنَائِعِكُمْ بَلْ عَنْ إِيمَانِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ تُسْئَلُونَ، أَأَنْتُمْ أَعْظَمُ حِكْمَةً أَمِ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَواتِ وَمَا فِيهَا وَالأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا؟ سُبْحَانَ اللهِ مَا مِنْ حَكِيمٍ إِلَّا هُوَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ يُعْطِي الحِكْمَةَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ وَيَمْنَعُ الحِكْمَةَ عَمَّنْ يَشَاءُ مِنْ بَرِيَّتِهِ وَإِنَّهُ لَهُوَ المُعْطِي المَانِعُ الكَرِيمُ الحَكِيمُ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الحُكَمَاءِ مَا حَضَرْتُمْ عِنْدَنَا لِتَسْمَعُوا نَغَمَاتِ الرُّوحِ وَتَعْرِفُوا مَا أَعْطَانِي اللهُ بِفَضْلِهِ وَإِنَّ هذَا فَاتَ عَنْكُمِ إِنْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَلَوْ حَضَرْتُمْ بَيْنَ يَدَيْنَا لَعَلَّمْنَاكُمْ مِنْ حِكْمَةٍ الَّتِي تَغْنَوْنَ بِهَا عَنْ دُونِهَا وَمَا حَضَرْتُمْ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَنُهِيتُ عَنْ إِظْهَارِهَا مِنْ بَعْدُ لِمَا نَسَبُونَا بِالسِّحْرِ إِنْ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَكَذلِكَ قَالُوا مِنْ قَبْلُ وَقَضَى نَحْبَهُمْ وَهُمْ حِينَئِذٍ فِي النَّارِ يَصْرُخُونَ، وَيَقْضِي نَحْبَ هؤُلاءِ وَهذَا حَتْمٌ مِنْ لَدُنْ عَزِيزٍ قَيُّومٍ، أُوصِيكُمْ فِي آخِرِ القَوْلِ بِأَنْ لا تَتَجَاوَزُوا عَنْ حُدُودِ اللهِ وَلا تَلْتَفِتُوا إِلَى قَواعِدِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ لأَنَّهَا لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِيكُمْ بَلْ بِسُنَنِ اللهِ أَنْتُمْ فَانْظُرُونَ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَتَّخِذْ هذَا النُّصْحَ لِنَفْسِهِ سَبِيلاً إِلَى اللهِ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى هَواهُ، إِنَّ رَبِّي لَغَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَعَنْ كُلِّ مَا هُمْ يَقُولُونَ أَو يَعْمَلُونَ، وَأَخْتِمُ القَوْلَ بِمَا قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا مَلأَ المُسْلِمِينَ وَالحَمْدُ للّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

OV