تذكرة الوفاء - جناب نبيل الزرندي

حضرة عبد البهاء
مترجم. اللغة الأصلية الفارسية

جناب نبيل الزّرندي – تذكرة الوفاء – آثار حضرة عبدالبهاء

﴿ هو الله ﴾

حضرة النّبيل الجليل، كان من المهاجرين والمجاورين. ترك هذا الشخص المحترم أهله وخلاّنه وبارح، وهو في عنفوان الشباب، مدينة زرند، ورفع بعون الحضرة الإلهية علم الهداية حتى أصبح قائد العاشقين وسيّد الطالبين. وألقى عصاه في العراق العربي بعد أن قضى ردحًا من الزمن في العراق العجمي، غير أنه لم يعثر على بغيته لأن حضرة المقصود كان إذ ذاك في كردستان، مقيمًا في مغارة على جبل سرگلو، فريدًا وحيدًا تفيض من خلوته أنوار عشق جماله على البرايا ولا أنيس له ولا حبيب ولا جليس ولا سمير. انقطعت عنه الأخبار بالكلية، وابتلى العراق بالخسوف والاحتراق من فراق نيّر الآفاق.

ولما رأى جناب النبيل أن النار الموقدة في القلوب قد خمدت ولم يبق من الأحباء إلا عدد معدود ويحي (الأزل) مختفيًا في حفرة الجفاء واستولى على الجميع عامل الخمود والجمود، اضطُرّ إلى الذهاب إلى كربلاء، حيث آقام وهو في حالة من الكرب والابتلاء، إلى أن عاد جمال القدم من كردستان (السليمانية) إلى دار السلام، فدبّت روح جديدة ووجدان عظيم وطرب لا حدّ له في الأحباء بالعراق وبينهم النبيل الجليل الذي أسرع إلى الحضور المبارك ونال نصيبًا موفورًا عدّة أيام أمضاها في سرور وحبور وابتهاج، ونظم إبانها القصائد الرنانة في المحامد الربانية. كان فكره سيالاً وقريحته وقّادة وفصاحة لسانه تبهر الألباب. واستمر على حالة سروره وابتهاجه مدّة، ثم عاد إلى كربلاء ومنها إلى بغداد فإلى إيران حيث وقع في مخالب الامتحانات والافتتانات الشديدة من مخالطته بالسيد محمد. غير أنه كان بمثابة النجم لرجم شياطين الأوهام، وكالشهاب الثاقب غالبًا على أهل الوساوس، ثم عاد إلى بغداد مرة أخرى واستظلَّ في ظلال الشجرة المباركة حتى صدر الأمر المبارك بسفره إلى كرمانشاه في مأمورية عظيمة. فقام بما أمر به، ثم أخذ يسافر من إيران إلى العراق وهكذا دواليك، إلى أن تحرّك الرّكب المبارك من دار السلام إلى مدينة الإسلام (اسلامبول).

أما حضرة النبيل فقد تزيّا بزي درويش بعد سفر الجمال المبارك وجدّ في السير راجلاً حتى التحق بالموكب المقدّس، وفي اسلامبول أمره الحضرة بالعودة إلى إيران للاشتغال بتبليغ أمر الله وكان كلما دخل قرية في طريقه أبلغ الأحباء بكل ما وقع. وبعد أن أدّى المأمورية التي كلّف بها على وجه أتم حلّت سنة الثمانين التي ارتفع فيها صوت ناقور (ألسْتُ) فهرول مسرعًا وهو يقول: بلى! بلى! لبيك! لبيك! إلى أرض السر(أدرنه) مع من ترنّحوا بتلك النغمة وفاز باللقاء واحتسى صهباء الوفاء. ثم سافر حسب الأمر المبارك إلى كل حدب وصوب لينادي بظهور حضرة الربّ القيوم في كل صقعٍ ونادٍ ويبشّر الناس بطلوع شمس الحقيقة. فكان النبيل الجليل في هذا السبيل شعلة وقّادة وفائرة عشق لا تطفأ وكان يجوس خلال الديار بنهاية الانجذاب ويهدي القلوب روحًا موفورة بالبشارة الكبرى وكان يضيء في كل حفل كالشمعة المنيرة مشارًا إليه بالبنان ماسكًا في قبضته جام خمر المحبّة وسقى منه المعاندين حتى ثملوا ثم قطع وعثاء الطريق بقدم ثابت وهو يضرب طبله ومزماره الروحي حتى بلغ السجن الأعظم.

كانت أيام وروده أيام شداد والضيق مستحكِمًا والأبواب مسدودة والطرق مقطوعة. وصل إلى باب مدينة عكاء متزيّيًا بزي شخص بخاري. وإذا بالسيد محمد (الأزلي) ورفيقه عديم التوفيق يخبرا الحراس والشرطة بوروده وقاما بالسعاية في حقه وقالا: "إن هذا الشخص ليس ببخاري بل إيراني أتى إلى هنا لمحض الوقوف على أخبار الجمال المبارك. فما كان من البوليس إلا أن أخرجوه فورًا. ولما خاب أمله ذهب إلى قصبة صفد (في شمال فلسطين) ثم ذهب إلى حيفا وآوى إلى مغارة في جبل الكرمل في عزلة عن الأحباء والأغيار مشتغلاً بالعبادة وتلاوة الأنجية ليل نهار، واعتكف هناك مدة في انتظار فتح باب التشرف واللقاء. وإذا بميقات السجن المحتوم قد انقضى وتجلّى بهاء مظلوم الآفاق بكمال الاقتدار وفتحت الأبواب، فهرع جناب النبيل الجليل إلى الحضور بصدر منشرح مضيئًا كالشمعة المشتعلة بنار محبة الله، يَنْظُمْ المقطوعات الغزلية آناء الليل وأطراف النهار، ويتبعها بالقصائد الرنانة والخماسيات والسداسيات الشعرية في محامد محبوب قلوب العالمين والمنتسبين إلى ذلك المقام. يحظى بالتشرف والمثول بين يدي الحضرة في أغلب الأيام إلى أن وقع الصعود المبارك فتزلزلت أركانه من هذه الرزيّة العظمى بدرجة أسالت من عينيه الدموع وأرجفت منه الضلوع، ووصل نحيبه وتأوّهه إلى الأوج الأعلى وطابق هذه المصيبة الكبرى بالسنين الشداد. وقد تحقق ذلك لأن حضرة المقصود قد أخبر عن هذه الوقائع.

ومختصر القول، إن النبيل الجليل قد اكتوى بنار الحرمان والهجران وكانت الدموع تتدفق من آماقه كالسيل المنهمر مما أدهش الناظرين، واستوجب حيرة الجميع. كان يحترق ويحرق القلوب ضاربًا على ناي التضحية والفداء بالروح، حتى ناء بحمل هذه الوطأة وعيل صبره والتهبت في صدره جذوة من نيران العشق ولم يعد في قوس صبره من مِنزَع، فأصبح قائد العشاق وولى وجهه نحو البحر دون محاباة وأشار إلى تاريخ وفاته بكلمة "غريق" (وهي تعادل في حساب الجمّل 1310) قبل أن يضحّي بروحه التي أسلمها لبارئها وتخلّص من آلام الهجران والحرمان.

كان هذا الشخص علاّمة فهّامة، فصيحًا بليغًا، ناطقًا ومفوهًا، قريحته كانت صريحة ملهمة، وطبعه جذّابًا، وشِعره كالماء الزلال، كما يظهر من قصيدته (بهاء بهاء) المدلّة على أنه كان في حالة الانجذاب عندما نسج بُردها. كرّس النبيل الزرندي حياته منذ صباه إلى أن ابيضّ فرداه ووهن العظم منه للعبودية وخدمة حضرة الرحمن. تحمّل الصعاب والمشاق، وخاض غمار المتاعب والمشقات، وسمع من الفم الأطهر المبارك بدائع الكلمات، وشاهد تجلي ملكوت الأنوار، وفاز بكل ما تمنّى. وفي النهاية لم يعد يطيق الحياة بعد فراق نيّر الآفاق فألقى بنفسه في اليمّ وأصبح غريق بحر الفداء، وصعدت روحه إلى الرفيق الأعلى. عليه التحية الوفيّة، وعليه الرحمة الواسعة، وله الفوز العظيم والفيض المبين في ملكوت رب العالمين.

المصادر
المحتوى
OV